المطلب الثاني: طرق معرفة اختلاط الراوي
سلك الأئمة النقاد عدة طرق، واستخدموا وسائل متنوعة يمكن من خلالها الكشف عن اختلاط الراوي الذي كان حديثه مستقيمًا، ثم اضطربت أحواله في فترة من مراحل حياته، واستمرت حتى وفاته. ومن أهم هذه الطرق:
1ـ الموازنة بين الروايات: بأن يكون راوٍ قد سمع من شيخ سماعًا قديمًا، ثم سمع منه بعد زمن سماعًا آخر، فوجد أن ما حدث به متأخرًا مخالف لما سمع منه من الحديث سابقًا، فيستدل ـ هذا الراوي ـ من ذلك على وجود اختلال في ضبط الشيخ، واضطراب في حفظه.
ومثال هذا: ما حدث لسفيان بن عيينة مع عطاء بن السائب ـ وهو ثقة اختلط ـ فقد روى الحميدي عنه قال: «كنت سمعت من عطاء بن السائب قديمًا، ثم قدم علينا قدْمة، فسمعته يحدث ببعض ما كنتُ سمعتُ ـ قديمًا ـ فخلط فيه ـ في حديثه ـ فاتقيته واعتزلته» . فينبغي أن تكون روايته عنه صحيحة (1) .
وقال علي بن المديني: «قال وهيب: قدم علينا عطاء بن السائب فقلت: كم حملتَ عن عبيدة؟ قال: أربعين حديثًا. قال علي: وليس يروي عن عَبيدة حرفًا واحدًا. فقلتُ: فعلام يُحمَل هذا؟ قال: على الاختلاط، إنه اختلط» (2) .
وقال وكيع: «كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة فنسمع، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لم يكن صحيحًا طرحناه» (3) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) ـ الكواكب النيرات (ص: 61) .
(2) ـ ضعفاء العقيلي (3/ 398) .
(3) ـ تهذيب الكمال (11/ 10) .
قلت: من الرواة من اختلط، ولكن لم تظهر المخالفة والمنكرات في حديثه. قال الحافظ الدارقطني في عارم ـ محمد بن الفضل السَّدوسي ـ:"لم يظهر له بعد اختلاطه شيء منكر". وأفحش ابن حبان فيه القول عندما قال:"اختلط في آخر عمره وتغير حتى كان لا يدري ما يحدث به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإن لم يعلم هذا ترك الكل، ولا يحتج بشيء منها". المجروحين (2/ 294) .
قال الحافظ ابن حجر:"قرأت بخط الذهبي: لم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثًا منكرًا، والقول فيه ما قال الدارقطني". تهذيب التهذيب (9/ 385) .