ووجه الدلالة من الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصح لفاطمة بنت قيس، فذكر لها عيب أبي جَهْم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه (1) ، وعيب معاوية أنه فقير لا مال له، ولا متاع، وذلك لما فيه من المصلحة الدنيوية، وإذا كان الأمر كذلك، فمصلحة الدين أولى وأعلى. ولهذا كان شعبة يقول: «تعالوا حتى نغتاب في الله ساعة» (2) .
وعَنْ عَفَّانَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ إسماعيل ابْنِ عُلَيَّةَ فَحَدَّثَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِثَبْتٍ. قَالَ: فَقَالَ الرَّجُلُ: اغْتَبْتَهُ. قَالَ إِسْمَاعِيل: ُ مَا اغْتَابَهُ، وَلَكِنَّهُ حَكَمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ» (3) .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: «قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ مَنْ تَعْرِفُ حَالَهُ، وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَتَرَى أَنْ أَقُولَ لِلنَّاسِ لا تَأْخُذُوا عَنْهُ؟ قَالَ سُفْيَانُ: بَلَى. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَكُنْتُ إِذَا كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ ذُكِرَ فِيهِ عَبَّادٌ أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ وَأَقُولُ: لا تَأْخُذُوا عَنْهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أيضا: انْتَهَيْتُ إِلَى شُعْبَةَ، فَقَالَ: هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ فَاحْذَرُوهُ» (4) .
فالرجل صالح، إلا أن بضاعته في الحديث مزجاة، فيُذكر في دينه وصلاحه بخير، ولا يؤخذ الحديث عنه، وما أكثر الرواة الذين تكلم الأئمة في حفظهم وضبطهم، وأثنوا على صلاحهم وعبادتهم. وقال ابن المبارك: «بقيّة صدوق اللسان، ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر» (5) . وأرى أن أنقل هنا كلمة الإمام مسلم في بيان مشروعية الجرح والتعديل، فإنها من الأهمية بمكان.
ــــــــــــــــــــــ
(1) ـ إما أنه كثير الأسفار، أوأنه كثير الضرب للنساء، وهذا أصح. انظر: الموضع السابق.
(2) ـ أي نتكلم في الجرح والتعديل. شرح علل الترمذي (1/ 45) .
(3) ـ مقدمة صحيح مسلم، باب في الكشف عن معايب الرواة (1/ 92) .
قلت: ذكر الإمام النووي رحمه الله في بيان ما يُباح من الغيبة عدة أمور، منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة. رياض الصالحين من كلام سيّد المرسلين، يحيى بن شرف النووي، دار العربية، بيروت. (ص: 374) .
(4) ـ مقدمة صحيح مسلم (1/ 94) .
(5) ـ مقدمة صحيح مسلم (1/ 97) .