وقد لا أكون مخطئًا إذا قلت: إنّ بوادر علم الجرح والتعديل قد بدأت بشكل غير مباشر من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقلت: بشكل غير مباشر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يقابل أحدًا بما يكره، ولو بكلمة، كما أنه لم يكن يخص أحدًا بذمٍّ ولو كان يسيرًا، وإنما اتخذ التعميم طريقًا للتعليم.
عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن رجلًا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة، أو بئس رجل العشيرة، فلما دخل، ألان له القول ) ). قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! قلتَ له الذي قلتَ، ثم أَلَنْتَ له القول؟ قال: (( يا عائشة، إن شرّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة، من وَدَعَه الناس، أو تركه الناس اتقاء فُحْشِه ) ).
وفي رواية أخرى، قال: (( بئس أخو القوم وابن العشيرة ) ). وفي رواية أخرى: (( فبئس ابن العشيرة، أو بئس أخو العشيرة ) ) (1) .
قال ابن رجب: وكذلك يجوز ذكر العيب إذا كان فيه مصلحة خاصة كمن يستشير في نكاح أو معاملة. (2)
ثم ذكر قصة فاطمة بنت قيس أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن معاوية ابن أبي سفيان وأبا جهم خطباها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد قالت: فكرهتُه، ثم قال: انكحي أسامة، فنكحتُه فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به (3) .
ـــــــــــــــــــ
(1) ـ أخرجه البخاري في الأدب، باب لم يكن النبي فاحشًا ولا متفحشًا، رقم (5685) ، (5/ 2244) . وأخرجه أيضًا في باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب، رقم (5707) ، (5/ 2250) . وفي باب المداراة مع الناس، رقم (5780) ، (5/ 2271) .
ومسلم في كتاب البر والآداب والصلة، باب مداراة من يتقي فحشه، رقم (2591) ، (4/ 2002) .
وإنما توسعت في تخريجه لأن الأبواب التي ذكره فيها البخاري، فيها إشارة إلى جواز الكلام في الرجال ومدحهم أو قدحهم، لكن رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يكن يتوسع في هذا.
(2) ـ شرح علل الترمذي (1/ 45) .
(3) ـ أخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلّقة ثلاثًا، رقم (1480) ، (2/ 1114) .