رأس كل عشرة منها حديثًا ليس من حديثه، ثم جاءا إلى أبي نعيم فدقّا عليه الباب فخرج، فجلس على باب دكان، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عن يمينه، وأخذ يحيى بن معين فأجلسه عن يساره، ثم جلستُ أسفل الدكان، فأخرج يحيى الطبق فقرأ عليه عشرة أحاديث، وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال له أبو نعيم: هذا ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثانية، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبو نعيم: ليس من حديثي فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالثة، وقرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نعيم، وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى ـ وذراع أحمد في يده ـ فقال: أما هذا فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا يريدني ـ الرمادي ـ فأقلّ من أن يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى فرمى به من الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل وأقل لك: إنه ثبت، قال: والله لَرَفْسَتُهُ لي أحبّ إلي من سفري» (1) .
وقد يكون اختبار حفظ الراوي بقلب الأسانيد عليه؛ وذلك بتركيبها على غير متونها، فإن وافق على القلب فغير حافظ، وإن خالف فضابط، نحو امتحان المحدثين ببغداد لإمام الفن وشيخ الصنعة: الإمام البخاري (2) .
عمد محدثو بغداد إلى مائة حديث فقلبوا أسانيدها ومتونها، وانتخبوا عشرة من الرجال، ودفعوا لكل واحد منهم عشرة، فلما حضروا المجلس ألقى كل واحد من الرجال العشرة ما عنده من الأحاديث المقلوبة، فلما انتهوا منها جميعًا قام فردّ كل متن إلى إسناده، وكلّ إسناد إلى متنه، فأقرّ الناس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل (3) .
ـــــــــــــــ
(1) - تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، (12/ 353) .
(2) - انظر: فتح المغيث (1/ 273) .
(3) - انظر: تاريخ بغداد (2/ 20) ، وهدي الساري مقدمة فتح الباري (2/ 240) .