أليس من الحق، والاعتراف بالجميل أن يحفظ لنا علم الجرح والتعديل سيرة أولئك الرجال الذين أرسوا قواعده، وبيّنوا ثمرته وفوائده؟ أليس من الواجب علينا أن نعرف ولو نبذًا يسيرة عن أولئك الذين حفظوا لنا الدين، وذبوا عن سنة سيد المرسلين؟ بلى كذلك.
إذًا: فعلم الجرح والتعديل يضع بين أيدينا صورًا حيّة، ويعرض لنا حياة واقعيّة ملؤها الجدّ والكدّ، ولزوم الحدّ، عاشها أولئك الأعلام، عسى ولعلّ أن نقفوَ أثرهم ونترسّم خطاهم.
3ـ بعد أن عرفنا الغرض من علم الجرح والتعديل، وهو تمييز المقبول من المردود، وكيف أن المحدثين قد وضعوا الموازين القسط لهذا الغرض، وبذلوا الجهود في سبيل ذلك من رحلة، وسهر، وبحث، وغير ذلك، تبرز أيضًا أهمية الجرح والتعديل في الأثر الذي يتركه في نفوس المسلمين، والمستشرقين، وغيرهم من الباحثين والدارسين، وهذا الأثر يتجلّى في الوثوق بمنهج المحدثين، ومصداقيته العالية، وإيجابية النتائج التي تم التوصّل إليها من خلاله.
إن الاحتياط في الأحكام، ورفض الاحتمال والمحاباة في شأن الرواة هما الأساس في خلق هذه الثقة التي جُنّدت كل الإمكانيات لأجلها.
ما معنى أن يحكم الأئمة بالرد الأولي لرواية سيء الحفظ، مع احتمال أن يكون هذا الراوي قد حفظ وضبط، وأصاب في هذه الرواية بعينها؟ إنه الاحتياط في الدين الذي تكفّل الله بحفظه؛ بأن هيّأ لذلك أسبابًا، واختار من خلقه أحبابًا، فقاموا بالمهمة خير قيام، واستحقوا من المهيمن دار السلام.