قال عبد الرحمن بن محمد بن أبي حاتم: بلغني أن إبراهيم بن أدهم قال: «إن الله تعالى يرفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث» .
وقال زكريا بن عَدي: «رأيت ابن المبارك في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي برحلتي في طلب الحديث» (1) .
قال الإمام أحمد: «لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه؛ رحل إلى اليمن، وإلى مصر، وإلى الشام، والبصرة، والكوفة، وكان من رواة العلم، وأهل ذلك، كتب عن الصغار والكبار» .
وعن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: «كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه، فأول ما أفتقد منه صلاته، فإن أجده يقيمها، أقمت، وسمعت منه، وإن أجده يضيعها، رجعت، ولم أسمع منه، وقلت: هو لغير الصلاة أضيع» (2) .
قلت: ما نقلته عن الخطيب ـ رحمه الله ـ غيض من فيض، وزهرة من روض في بيان همم أهل الحديث، وتقدمهم في الرحلة والسماع.
ـــــــــــــــــــــ
(1) ـ الرحلة في طلب الحديث، أحمد بن علي (الخطيب البغدادي) ، تح: د. نور الدين عتر، دار الكتب العلمية، ط1/ 1395هـ، (ص: 89 ـ 90) .
(2) ـ المصدر السابق (ص: 91 ـ 93) .
ومن الطرائف واللطائف ما جاء عن يعقوب بن سفيان الفسَوي قال: كنت في رحلتي فقَلّتْ نفقتي، فكنت أدمِنُ الكتابة ليلًا، وأقرأ نهارًا، فلما كان ذات ليلة كنت جالسًا أنسخ في السراج وكان شتاءً، فنزل الماء في عيني فلم أبصر شيئًا، فبكيت على نفسي؛ لانقطاعي عن بلدي وعلى ما فاتني من العلم، فغلبتْني عيناي فنمت، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فناداني يا يعقوب: لمَ أنت بكيت؟ فقلت: يا رسول الله ذهب بصري فتحسرت على ما فاتني فقال لي: ادْنُ مني، فدنوت منه فأمَرَّ يده على عيني كأنه يقرأ عليهما، ثم استيقظت فأبصرت فأخذت نسخي، وقعدت أكتب.
الرحلة في طلب الحديث (ص: 206 ـ 207) ، ونقلها الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (11/ 339) .