قلت: مفهوم كلام ابن أبي حاتم: أنّ تبليغ الدين عن طريق النقل، والنقل يؤخذ عن الرجال، وإذا لم تُعرف أحوالهم، وتُتَقَصّى أخبارهم، فكيف نتلقى عنهم، ونأخذ منهم لنبلّغ بدورنا عنهم؛ لذا كان السؤال عنهم واجبًا، والبحث في أحوالهم لازمًا.
ويقول أبوعبدالله الحاكم: «لولا الإسناد، وطلب هذه الأمة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرّت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتْرًا» (1) .
2ـ وتبرز أهمية هذا العلم أيضًا في كونه موسوعة تاريخية قيّمة لا تُقدّر بثمن ضمّت بين طيّاتها جهابذة أبطالًا، وأفذاذًا أبدالًا، عرّفتنا بأحوالهم، وحفظت لنا تاريخ حياتهم. والأمم تفخر برجالها، وتضرب المثل بأبطالها.
ومن الحق على أمة محمد أن تفخر بمحدثيها الذين بذلوا جهودًا جبّارة، وقطعوا فراسخ وأميالًا من أجل التثبّت والسماع، أو الرواية والإسماع.
وحسبنا دليلًا كافيًا، وبيانًا شافيًا كتاب الحافظ الخطيب البغدادي: الرّحلة في طلب الحديث. ومن طالعه يجد العجب العُجاب فيما كان عليه هؤلاء الأنجاب.
ـــــــــــــــــــ
(1) ـ معرفة علوم الحديث في النوع الأول: معرفة عالي الإسناد (ص: 40) .