الاعتبار برواية سيء الحفظ
ذكرت في المبحث السابق أن من جاء في المرتبة الأولى والثانية من مراتب الجرح يُعتبر به؛ لدلالة ألفاظ هاتين المرتبتين على الجرح غير الشديد.
أما المراتب الأربع الأخيرة فإن ألفاظها صريحة في ترك حديث الموصوف بها (1) أي لا يعتبر بحديثه.
وجرح الراوي بكونه سيء الحفظ، ذُكر في المرتبة الأولى من مراتب الجرح؛ ومعنى ذلك أنه يعتبر به. ولكن ما معنى الاعتبار، وما معنى يُعتبر به؟ هذا ما سأتكلم عنه في هذا المبحث، مع الأمثلة التطبيقية على الرواة.
إن الفعل الثلاثي للاعتبار: عَبَرَ. تقول: عَبَر الرؤيا يعبُرها؛ فسّرها، وأخبر بما يؤول إليه أمرها. والعابر: الذي ينظر في الكتاب فيَعْبُره؛ أَي يَعْتَبِرُ بعضه ببعض حتى يقع فهمُه عليه. والمعتَبِر: المستدلّ بالشيء على الشيء.
واعتبر منه تعجّب، وفي التنزيل: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} . [الحشر: 2] . أي تدبّروا وانظروا (2) .
فتلخص معنى الاعتبار المقصود هنا: الاستدلال على الشيء بغيره (3) .
ــــــــــــــــــــ
(1) ـ تحرير علوم الحديث، عبدالله بن يوسف الجديع، مؤسسة الريان، ط1/ 2003م. (1/ 622) .
(2) ـ لسان العرب (4/ 529) . مادة: عَبَرَ.
(3) ـ تعليق التُّحَف على منظومة الطُّرَف في مصطلح من سلف، أحمد بن سيدي محمد الشنقيطي، تح: أبو العالية المَحَسِّي، مكتبة الفرقان، عجمان، ط1/ 1999م. (ص: 65) .