وأما في اصطلاح المحدثين: ذكر تعريفه الحافظ ابن حجر فقال: والمراد به:
«من لم يَرْجُحْ جانب إصابته على جانب خطئه» (1) .
وفُهم مِنْ: (مَنْ لم يرجح) ؛ إما بأن يرجح جانب خطئه، أو استويا (2) . فالمعوّل عليه كما يقول الشيخ عبد الحق الدِِهْلَوي (4) : «صوابه وإتقانه وكثرتهما» (5) .
قلت: وهذا التعريف مشكل إذا ما قورن بالتعريف الآخر الذي عرف به ابن حجر سوء الحفظ، وهو: «عبارة عمن يكون غلطه أقلّ من إصابته» (6) .
فهذا التعريف لا يتفق من حيث المعنى مع التعريف الأول؛ لأنه يستحيل أن لا يخطىء الإنسان مهما كان حافظًا، فهل يقال: إذا صدر منه خطأ أو أخطاء يسيرة بجانب سعة حفظه: إنه سيء الحفظ؟ هذا ما لم يقله أحد من المحدّثين النقّاد.
وقد أجاب الشيخ علي القاري ـ رحمه الله ـ: بأن هذا الخطأ من اختلاف النسخ والنسخة الصحيحة المعتمدة فيها زيادة (لا) في التعريف الثاني، فصار التعريف: عبارة عن أن لا يكون غلطه أقل من إصابته، هكذا بالنفي، وهو المطابق للتعريف الأول من حيث
ــــــــــــــــ
(1) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص: 101) .
(2) - شرح شرح النخبة لعلي القاري (ص: 533) .
(3) - المرجع السابق (ص: 534) .
(4) - الإمام المحدث المشهور عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدِهلوي، ولد سنة (958هـ) ، رحل إلى الحجاز وأخذ العلم ونقله إلى الهند، واتخذ دار الملك دلهي مركزًا له. نشر العلوم وترجم كتاب المشكاة بالفارسي، وكتب شرحًا على سفر السعادات، وبلغت تصانيفه مائة. توفي سنة (1050هـ) .
انظر: أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، صديق بن حسن القنوجي، تح: عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1978م، (3/ 228) ، ونظرات في الحديث، أبو الحسن علي الحسني الندوي، دار ابن كثير، دمشق، ط1/ 1999م، (ص: 184) .
(5) -مقدمة في أصول الحديث، عبد الحق الدهلوي، تعليق: سلمان الحسيني الندوي، دار ابن كثير دمشق، ط1/ 2005م. (ص: 79) .
(6) - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر (ص: 86) .