الانشغال عن الحديث بغيره
إذا أراد الإنسان لنفسه النجاح والتفوق في مجال العلم والدراسة، فعليه أن يتخصَّص في علم من العلوم، ويقصر نفسه عليه، وليكن عنده إلمام واطلاع على العلوم الأخرى. وخير علم يُحصِّله طالب العلم، وأنفع فنٍّ يشتغل به هو: علم الحديث فهو المورد الثاني للتشريع، والمنهل الأمثل لتبيين الأحكام وتفصيلها، ولا يفلح فيه إلا من كرّس جهده ووقته للاشتغال به، واستعان على ذلك بمذاكرته ومدارسته.
وقد حاول قوم لم يتمكنوا منه، ولم يتمرسوا فيه الخوض في بحاره واقتحام غماره فما استطاعوا؛ لأن من لم يكن ماهرًا في فنّه جاء بالعجائب والغرائب، فوقع منهم الخلط والغلط، وظهر منهم الخلل والزلل.
وما أدقّ وأجلَّ كلام الشيخ ابن الصلاح - رحمه الله ـ الذي بيّن فيه فضل علم الحديث وأهله، فقال: «إنّ علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة يحبه ذكور الرجال وفحولتهم، ويُعْنى به محققو العلماء وكملتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رُذَالتُهم وسَفِلَتُهم. وهو من أكثر العلوم تولُّجًا (1) في فنونها، لا سيّما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كَثُر غلطُ العاطلين منه من مصنِّفي الفقهاء وظهر الخللُ في كلام المخلِّين به من العلماء» (2) .
وعن الإمام الزهري قال: «لا يطلب الحديث من الرجال إلا ذُكْرَانُها، ولا يزهد فيه إلا إناثُها» . وفى غير هذه الرواية: «الحديث ذَكَرٌ يحبّه ذكورُ الرّجال» (3) .
ــــــــــــــــ
(1) - تولجًا: وَلَجَ يلج بالكسر وُلُوجًا؛ أي دخل، وأَوْلَجَه غيره: أدخله.
مختارالصحاح (ص: 740) . مادة: ولج، ومعنى التولُّج هنا: التداخل؛ لكثرة علومه وتشعُّبها.
(2) - علوم الحديث (ص: 5) .
(3) - الإلماع (ص: 25) .