من هنا نعرف أنّ مكانة المرأة في شعر الفرسان تحمل دلالة التقديس بوصفها تمثّل شيئًا ثمينًا لديه بل هي أغلى ما يملك فيسعى إلى صيانتها بروحه، و يخوض غمار الحروب من أجل حمايتها، وحفظها من الغازين، فلا يذكرها إلاّ بما يليق بها في هالة من التقديس والإحترام، وجعلها مثالًا للتضحية , ونلاحظ ميزة أُخرى تميّزت بها المرأة في شعر الفرسان، وهي عدم تعدّد ذكر أسماء النساء كما نجده عند معظم شعراء الجاهلية، فنجد عنترة لاينطق سوى باسم عبلة ويغض بصره عن الأُخريات، وتحتل أُمّ حسّان حيّزًا من شعرعروة، في حين يُكثر عامر وقيس من إلإستعاضة بالضمير عن الإسم الصريح في معظم المواضع.
نصل ممّا تقدّم إلى أنّ صورة المرأة المثال في شعر الفرسان تحمل دلالتين، الأُولى: تتعلّق بالجانب الديني إذ قصد الشعراء الفرسان تشبيه المرأة بمخلوقات حظيت قديمًا بالتقديس بوصفها آلهة مانحة للحياة، وهي مُشابهة لدورالمرأة الولود المُنتجة للحياة. والأخرى: هي دلالة جمالية، إذ أنّ الجمال من مُتعلّقات المرأة الأساسية، فربطوا بين جمالها وإشراقة الشمس، وعيون المهاة، وجيد الظباء، فأصبحت بنظرهم رمزًا مُتكاملًا للجمال الإلهي المُقدّس.
من المفيد أن نذكر في نهاية المبحث أنّ المراة الأُم، والمرأة المثال هي حقائق مادّية موجودة في حياة الشعراء الفرسان يسعون عن طريقها إلى إيصال رسالة ذات تشفير مُعيّن إلى المُتلقي. أمّا أيقونة العاذلة و خيال الطيف فهما من صُنع خيال الشاعر، فقد لا يكون هناك وجود للعاذلة وخيال الطيف سوى في خيال الشاعر، فالعاذلة قد تكون غير موجودة في الواقع مثل المرأة المُتخيلة تمامًا، فعملت المنظومة الفكرية للشاعر على خلقها لإيجاد نظام تشفيري خاص يعمل على إيصال ما يدور في دواخله النفسية والفكرية إلى المُتلقي؛ لإحداث التأثير المُناسب.