القسم الأول: الفروسية:
يجدر بنا قبل الخوض في موضوع البحث إعطاء فكرة عن الفروسية وبيان الفرق بينها وبين الصعلكة، ولاسيّما أنّ أحد نماذج الدراسة ينتمي إلى طائفة الصعاليك وهو عروة ابن الورد.
إن ظروف الحياة الجاهلية بما فيها من قساوة و خشونة من جهة، و نزاعات قبلية من جهة أخرى فرضت على رجالها التحلّي بصفات معينة تتناسب و تلك الظروف ليتسنّى لهم التكيّف معها، ولعل أبرز تلك الصفات هي الجراءة والشجاعة والكرم و الإجارة التي تندرج ضمن إطار الفروسية التي تعدّ ضرورة لا بدّ منها في مجتمع قبلي يقوم على المنافسة والصراع من أجل ضمان الحياة واستمرارها مدّة أطول في تلك الظروف القاسية، فأصبحت الفروسية صفة غالبة على معظم أبناء الصحراء العربية إن لم يكن كلّهم، فقلَّما نجد عربيًا في البادية لم يكن فارسا ً، حتى جعلها عنترة فرضًا على كلِّ عربي وإلاّ فلن يستحق الذكر الحميد ولا حتى نعي الناعيات بعد موته، فيقول: (1)
إذا قنعَ الفتى بذَمِيمِ عَيْشٍ ... وكان وراءَ سجْفٍ كالبناتِ
ولم يَهْجِمْ على أُسْدِ المنايا ... ولم يَطْعنْ صُدورَ الصافِناتِ
ولم يقْرِ الضُّيوفَ إذا أَتَوهْ ... ولم يُروِ السُّيوفَ من الكُماةِ
فقُلْ للناعياتِ إذا نَعْتْهُ ... ألا فاقْصِرْنَ نَدْبَ النادباتِ
ولا تَنْدُبْنَ إلاّ لَيْثَ غابٍ ... شُجاعا ًفي الحروبِ الثَّائراتِ
(1) ديوان عنترة ومعلّقته، تح: خليل شرف الدين، بيروت،1977م: 220.