الفصل الثالث ... دلالات الفضاء
دلالات الفضاء: ... ــــــــــ
لقد برّزت الدراسات الحديثة أهمّية الفضاء في تحليل النصوص الأدبية، فتناولتْه بكثيرٍ من الإهتمام لكونه المُحيط الذي تعيش فيه الشخصّية وتتأثّر به تأثرًا مباشرًا، فتكتسب منه معظم صفاتها الجسدية والفكريّة والخُلُقيّة، فكُلُّ من المكان والأشخاص"يصنع و يُكيّف الآخر بطابعه" (1) ، فعندما نتحدّث عن المكان وطبيعته نقصد بذلك ساكنيه وما يتركه ذلك المكان في ذواتهم من إنطباع مُعيّن، وبالعكس، لكون الإنسان مُرتبطًا تأريخيًا ووجدانيًا بالمكان الذي يعيش. كما حرصتْ الدراسات الحديثة على الدمج بين المكان والزمان وأثرهما في المُبدع بوصفهما"قوّتين خارجيتين تُسيطران على حركته و وجوده ووعيه في العالم". (2) فأطلقوا عليهما معًا مُصطلح (الفضاء) ، وقد عرّفه باختين في قوله:"العلاقة المُتبادلة الجوهرية بين الزمان والمكان المُستوعبة في الأدب إستيعابًا فنيًّا". (3) وقد أطلقوا عليه مُصطلح (الزمكانية) للدلالة على أهميّة ذلك الإقتران الذي لايُمكن فصله، فلابُدّ من حصول كُل ّحدث في مكان مُعيّن مُقترنًا بزمان، كما يمنح ذلك الإقتران الحدث سمة الواقعية فيكون أكثر قبولًا لدى المُتلقي"إذ هما يُساعدان على بلورة"
(1) البناء الفنّي في الرواية العربية ي العراق، د. شجاع مُسلم العاني (أطروحة دكتوراه) ، كلية الآداب ـ جامعة بغداد، 1408 هـ ـ 1987م: 252. ... (2) فلسفة الشعر الجاهلي، دراسة تحليلية في حركية الوعي الشعري العربي، د. هلال الجهاد، سوريا ـ دمشق، ط1، 2001م: 32. ... (3) أشكال الزمان والمكان في الرواية، ميخائيل باختين، ترجمة يوسف حلاّق، دمشق ـ منشورات دار الثقافة، 1990م: 5.