الصفحة 144 من 203

الفصل الثالث / المبحث الثاني ... دلالات الزمان

ـ دلالات الزمان:

ذكرنا أنّ إحساس الإنسان بالزمان يختلف عن إحساسه بالمكان، فالمكان مادّي محسوس يمكن إدراكه بالحواس، في حين الزمن غير مادّي يشعر به الإنسان من خلال تأثيراته في ما يُحيط به من موجودات، وفي نفسه وما يطرأ عليها من تغييرات جسدية ونفسية في مراحل حياته المختلفة، فالتغيّرات الطارئة على الإنسان والموجودات تجعله يُدرك الزمن و يشعر بوجوده إلى جانب المكان.

كان العربي في الجاهلية يعدُّ الزمان ذا قوّة قاهرة، فهو يُدمّر ويُبلي ويُميت حتى جعل منه إلها يمتلك قدرة خفية وسلطة على الموجودات، وقد ذكر الخالق عزّوجلّ ذلك المُعتقد الجاهلي في قوله: {وقالوا ماهي إلاّ حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يُهلكنا إلاّ الدهر وما لهم به من علم إن هم إلاّ يظنون} . (1)

الجاهلي بنظرته البسيطة للوجود وعدم حيازته أيّ تفسيرات فلسفية علمية كان يؤمن بأنّ أي إخلال في نظام حياته هو من أحكام الزمن ذي القوّة الجبّارة القادر على ديمومة الحياة وإفنائها، فكان الزمان بمنزلة عدو مرعب يُهدّد حياته فهو يخشى تغيّراته وتحوّلاته وعدم ثباته، والإنسان يتغيّر جسديًا وفكريًا بفعل الزمن"فالزمن يترك على الإنسان آثاره من ناحيتين: جسدية وذهنية، فالجسدية تتجلى في تحوّل الجسم من ضعف إلى قوّةٍ فالضعف، وأمّا الذهنية فتتبدّى في تراكم المعرفة الإنسانية على مستوى الإدراك والخبرة" (2) .

(1) الجاثية: 24. ... (2) الشعر الجاهلي قضاياه وظواهره الفنيّة، د. كريم الوائلي، دار العالمية ـ مدينة نصر (د ـ ت) : 91. ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت