لقد أكثر الشعراء الجاهليون من ذكر الزمن وتسمّياته (الدهر، الزمان، الأيّام، صروف الدهر، .... ) وتأتي تلك الكثافة الزمنية في الشعر الجاهلي بالدرجة الأولى من عنصر المكان وما يتركه من وضع نفسي مُعيّن في ذوات الشعراء فكلُّ ما يُحيط بهم مُقفر موحش، فانٍ لايبقى على حال. (1) فيحاول الشاعر الجاهلي في تعبيره عن الزمن و رؤيته له"وكأنّه يرى نفسه، حيث يشير التعبيرعن الشعور بالزمن إلى التجربة الداخلية، أيّ يشير إلى الطريقة التي يُدرك بها الفرد حسّيًّا وشعوريًا جريان الوقت في كينونته" (2) .
وكانت نظرة الشاعر الفارس لاتختلف عن الجاهليين فيما يخصّ الدهر، فالدهر عنده قوّة ذات تاثير كبير في حياتهم، يقول عامر بن الطفيل: (3)
أَفَرِحتَ أنْ غَدَرَ الزَّمانُ بِفَارِسٍ ... قُلْحَ الكِلابَ وكُنْتُ غَيرَ مُغلَّبِ
يامُرَّ قَدْ كَلِبَ الزَّمَانُ عَلَيْكُمُ ... ونَكَأتُ قَرْحَتَكُمْ ولمَّا أُنْكَبُ
وكذلك يقول عروة بن الورد في تقلّب الدهر: (4)
وما كان مِنّا مَسْكَنًا قد عَلمْتُمُ ... مَدَافِعُ ذي رَضْوَى، فَعَظْمٌ، فَصَنْدَدُ
ولَكِنّها و الدَّهْرُ يَوْمٌ و لَيْلَةٌ ... بِلادٌ بها الإجْنَاءُ و المتَصَيَّّدُ
(1) يُنظر: جماليات المكان، باشلر: 37. ... (2) الزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام: 266. ... (3) الديوان: 98 ـ 99. ... (4) الديوان: 33.