الصفحة 143 من 203

عليها، وجاء ذلك التمرّد موقفًا طبيعيًا لمباديء الفروسية في رفض الضعف والإستسلام المتمثّل في اللحظة الطللية ومكوّناتها.

وممّا تقدّم يتضح لنا وعي الفرسان ورغبتهم في التحرّر الإنساني من حتمية الوجود، فكان الشعر وسيلة أساسية لتضمين ذلك الوعي الفكري والذاتي و رؤيتهم للعالم غير الرؤية الإعتيادية المُستسلمة، فـ"البطولة أو الفروسية قيمة مؤسسة على فعل الإختراق الواعي الذي تُنجزه ذات الوعي الشعري فتأسيس العالم المُمكن والسعي إليه (الحرّية المُجاهدة) يتطلب هذا الوعي وهذا الفعل، فمُنذ مواجهة بؤرة الطلل، أو العالم الطللي، يتحرّك الشكل الشعري لإنجاز ذاته في هذا العالم على الرغم من الحدود المفروضة عليه" (1) .

من هنا حاول الشعراء الفرسان إيجاد رمزًا ذاتيًا يُمثّل فلسفتهم الرافضة للإستسلام، الساعية نحو الحرّية، فاستبدلوا قصائدهم المنسلخة عن المظاهر الوجودية الفانية، بمقدّمات وصف الجواد، ووصف السلاح والمعارك، وحديث المرأة العاذلة والمرأة الطيف، و كلُّ هذه البدائل تُمثّل رموز القوّة والحياة، مانحين بها نصوصهم سمة الحركة والديمومة.

ممّا تقدّم نستخرج من علامة الطلل بوصفه نظامًا دلاليًا مجموعة دلالات: الأُولى: هي دلالة الثورة والتمرّد الفكري على قيدٍ مفروض من قبل نظام المجتمع، ويظهر ذلك مع ذكر الطلل في بعض مُقدّمات عنترة المتمرّدة، والثانية: دلالة التحدّي لمظاهر الموت والفناء المتمثّل في صورة الطلل، أمّا الثالثة: دلالة المستوى الفكري الواعي للشعراء الفرسان التي يسعى إلى تجاوز المألوف وإختراقه من خلال إستحضار البدائل التي تُمثّل النقيض، المتمثّلة بصورة الخيول والمعارك والسلاح والمرأة العاذلة والطيف.

(1) فلسفة الشعر الجاهلي، دراسة تحليلية في حركية الوعي الشعري العربي: 204

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت