كانت مُختبئة بين الأشجارخجلًا خشية أن يراها أحد، وقد إرتسم الحزن في عينيها لوداعه، كما وصف جمالها بطريقةٍ غير مباشرة من خلال المشبّه به، فهي كالظبي الأبيض الرقيق من دون أن يتوغّل في أوصاف جسدية أُخرى.
ويمتلك جسد المرأة قنوات دلالية نستطيع من خلالها معرفة الوضع الإجتماعي للمرأة التي يعشقها الفارس وتشاركه حياته، فيمكننا التوصل إلى معرفة أن زوج عروة بن الورد تُعاني من وضع إجتماعي سيئ وحياة قاسية من خلال وصفه إيّاها، في قوله: (1)
أبى الخَفْضَ مَنْ يَغْشَاكِ من ذي قَرَابَةٍ ... ومِنْ كُلِّ سَوْداءِ المَعَاصِمِ تَعْتَرِي
لقد إسوّدّتْ يداها من كَثْرة العمل وإشعال النيران، وخدمة الأطفال، فهي ليست سيدة مُتنعّمة مخدومة. كما يمتلك البُعد الدلالي للمرأة في شعر عروة نطاقًا ضيّقًا، فهو لايتجاوز حضور المرأة العاذلة والمرأة الخيال، (2) ويُسهم في ذلك واقع الصعلوك المُتشرّد الذي لا يعرف الإستقرار الذي يتطلبه حضور المرأة الحقيقية، إذ أنّه يقضي مُعظم وقته تائهًا في القفار الموحشة باحثًا عن غنيمة يسدُّ بها رمق عياله.
وإن تعرّض الفارس لصفات المرأة الأخلاقية، فيصفها بالخجل والحياء، يقول عنترة: (3)
وقال لها البدرُ المُنير: ألا أسفري ... فإنّكِ مِثْلي في الكَمَالِ وفي السَعْدِ
فَوَّلَّّتْ حياءً ثُمّ أرْخَتْ لثامَها ... وقد نَثَرَتْ من خَدِّها رطبَ الوَرْدِ
(1) الديوان: 48. ... (2) يُنظر الديوان:20، 38، 28، 45، 54، 63، 67، 70، 86. ... (3) الديوان:102.