ذا همّة عالية". (1) فكانت تلك إشارة إلى قوّة الفارس وقدرته على التحدّي والإستبسال، وهي دلالة ظاهرة تُخفي وراءها دلالة باطنية مُناقضة، وهي دلالة الخوف المُستترالذي يُحاول كلا الشاعرين أن يخفيه خلف الدلالة الأُولى، ولعلّ التسميات والأوصاف التي أطلقها الشعراء على الصحراء هي ما يوصلنا إلى تلك الدلالة الخفية، منها (غبراء، مَخُوفَة، أُسْدُ الدحال، مهمه، قفر) ، وهنا اصبحت الصحراء مكانًا ثنائي الدلالة، فحملت صفات المكان الأليف بما حملته من دلالة المكان البديل، ومكان تحقيق الطموحات وإظهار قُدرة الفارس وجرأته وميدان مفاخرته، وحمل من جهةٍ أُخرى دلالة المكان المُعادي بما تحمله من دلالة الخوف الخفي الذي تسلل بشكل لا إرادي من خلال التسميات والأوصاف المخيفة والزمان الذي اختاره وهو الليل المظلم بالتحديد لما يبعثه من شعور بالرهبة والثقل النفسي، فتصبح الصحراء مسرحًا للأشباح والأوهام التي يمكننا أن نعدّها ذاتًا مُضادّة تواجه الفارس."
لقد إتسمت علامة الصحراء كما نرى بالكثافة الدلالية، ولكن مع ذلك يُحاول الشاعران إبراز سمة التحدّي والإستبسال كما يبدو وجعلها وسيلة لتعويض النقص والشعور بالظلم والدونية، بما أحرزوه من تفوَق وقُدرة على مواجهة الصعاب، فشكلت الصحراء لديهما دلالة خاصة قد لانجدها عند الآخرين، مِمّن فيها سوى مكانًا مُعاديًا، فهي عند عنترة وعروة رمزٌ للحرية، وإثبات الذات، ومحاولة التعالي والتميّز على الآخرين.
(1) الحيوان في الشعر الجاهلي، د. حسين جُمعة، سوريا ـ دمشق، ط1، 2010م:216.