الصفحة 134 من 203

إنْ كُنتَ أنت قطعتَ بَّرًَّا مُقْفِرًا ... وسَلَكْتَهُ تَحْتَ الدُّجى في جَحْفَلِ

فأنا سَرَيْتُ مع الثُّرَيَّا مُفرَدًا ... لا مُؤْنِسٌ لي غَيرَ حَدِّ المُنْصَلِ

والبدرُ من فَوقِ السّحاب يَسُوقُهُ ... فَيَسيِرُ سَيْرَ الرّاكِبِ المُسْتَعْجِلِ

والنَّسْرُ نحو الغَرْبِ يرمي نَفْسَهُ ... فيكادُ يَعْثَرُ بالسِّماكِ الأَعزَلِ

والغُولُ بَيْنَ يَديّ يخفى تارةً ... ويَعودُ يَظْهَرُ مِثْلَ ضَوْء المَشْعَلِ

بِنَواظِرٍ زُرْقٍ وَ وَجْهٍ أسْوَدٍ ... و أظافِرٍ يُشْبِهْنَ حَدَّ المِنْجَلِ

والجِنُّ تَفْرَقُ حَوْلَ غابَاتِ الفَلا ... بِهَمَاهِمٍ وَدَمَادِمٍ لَمْ تَغْفَلِ

وإذا رأَتْ سيفي تَضِجُّ مَخافَةً ... كَضَجِيجِ نُوقِ الحَيّ حَوْل المَنْزِلِ

نُلاحظ من الأبيات السابقة تأكيد الشاعر على مخاطر الصحراء المُحيطة به بأكثر من صورة، فتارة يذكر النسر والسماك نجوم معروفة لدى الجاهليين مصوّرًا حركتها السريعة وكأنّها تكاد تصطدم ببعضها، وأُخرى الغول بصورته المرعبة، و ثالثة صوت همهمة الجنّ في الصحراء المُظلمة، ومع ذلك فقد أرعبها وجوده فراحت تضجُّ كالنياق وقد إلتفت حوله، فأسقط الشعور بالخوف الذي يُراوده خفيةً على الجنّ وجعلها هي من تخشى وجوده فمثلت تلك التصورات والمعتقدات البالية التي تدور في فضاء الصحراء التي يقطنها الشاعر دالًا يحمل دلالة الرفض التي تحملها ذاته تجاه ذلك المكان الذي هو معادٍ بطبيعته.

لقد إعتاد الشعراء على ذكر هذه المخلوقات الخرافية التي كانوا يعتقدون وجودها في الصحراء والتي تبرز عادةً لمن كان يسير مُنفردًا ليصبح مضربًا للمثل بالشجاعة والجرأة والقوّة، وشكلًا للتفرّد، لأنه لا يُمكن لأحدٍ أن ينال من الغول إلاّ إذا كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت