الصفحة 133 من 203

والفارس الصعلوك"يحمل الصحراء في ذاته و يجعلها كيانه بكلّ ما تعنيه من جدب وجفاف وقسوة فهي لديه نشوة من نشوات النفس أكثر من كونها مكانًا بيئيًا مُعاشًا". (1)

ومثله عنترة بن شدّاد الذي إفتخر بقطعه القفار الموحشة ليلًا بلا رفيق يؤنسه ويشاركه مُغامرته سوى فرسه، فيقول: (2)

كَمْ مَهْمَهٍ قَفْرٍ بنَفْسِي خُضْتُهُ ... والخيلُ تَعْثُرُ بالقنا المُتَكَسِّرِ

ويقول في موضعٍ آخر: (3)

كم لَيْلَةٍ سِرْتُ في البَيْداء مُنْفَردًا ... والليلُ للغربِ قَدْ مالتْ كواكِبُهُ

سيفي أنيسي ورمحي كُلَما نَهِمَتْ ... أُسْدُ الدِّحالِ إليها مال َ جانبُهُ

يمكننا أن نلتمس الوضع النفسي الذي يمرُّ به الشاعر والغربة العميقة تعاني منها ذاته المتألمة ليختار تلك القفار بديلًا عن قُرب الأصدقاء والأصحاب، جاعلًا من سيفه و رمحه وفرسه أصحابه ... ومؤنسيه، كما صوّر لنا الليل بهذه الصورة المرعبة، فالتعشيق بين الزمان (الليل المظلم) والمكان (الصحراء) دليل على بلوغ ذروة الشعور بالظلم والنقص لنفور القبيلة والأهل من سواد جلده. ويفتخر في موضعٍ آخر بقطعه الصحراء المُظلمة مُنفردًا، فيقول: (4)

(1) الفضاء الشعري عند الصعاليك في العصرين الجاهلي والإسلامي، (أطروحة دكتوراه) د. حسين الدخيلي، كلية التربية / جامعة البصرة، 1429هـ ـ 2009م: 24. ... (2) الديوان: 113. ... (3) المصدر نفسه: 154. ... (4) الديوان:228.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت