الفروسية نتيجة طبيعية لتلك الظروف (1) ، فالصحراء عالمٌ مجهول مخيف لا يمكن للإنسان الضعيف أن يعيش فيه، لذلك نجد الشعراء الفرسان يجعلون من إختراقهم لها وسيلة للفخر الشخصي خاصة في وقت الليل من دون رفيق، يقول الفارس الصعلوك عروة: (2)
وَغَبْراءَ مَخْشِيٍّ رداها مَخُوّفَةٍ ... أخُوها بأسْبَابِ المَنَايَا مُغَرَّرُ
قَطَعْتُ بها شَكَّ الخِلاجِ ولم أقُلْ ... لَخّيابَةٍ هَيّابَةٍ: كَيْفَ تأمُرُ؟
يفخر عروة بإجتيازه صحراء مُظلمة مُخيفة لا يرافقه فيها أحدٌ سوى ناقته من دون أن يخشى شيئًا، فهو يسعى إلى الإغتنام والحصول على رزقه، مُفضّلًا تلك المخاطر على سؤال اللئيم الذي لن ينفعه سوى إكتساب الذُلّة. والصحراء الواسعة هي ملجأ الصعلوك إذا ضاقت به ديار الأهل والأقارب، يقول عروة: (3)
وَسَائِلَةٍ: أينَ الرَّحيلُ؟ وَسَائِلٍ ... ومن يَسْأَلُ الصُعْلُوكَ أين مَذَاهِبُهْ؟
مَذَاهِبُهُ: إنَّ الفِجَاجَ عَرِيضَةٌ ... إذا ضَنَّ عَنْهُ بالفَعَالِ أقارِبُهْ
كان إختيار عروة هذا يُعدُّ ثورة على المكان وإحتجاج ضدّ القبيلة، ومحاولة البحث عن بديل لتعويض النقص الذي يُعاني منه، فإختار القفار الواسعة الموحشة سبيلًا إلى حُرّيته لخلق الموازنة الذاتية وشعورٍ بالإنتماء. (4)
(1) يُنظر: آليات الخطاب النقدي العربي الحديث في مقاربة الشعر الجاهلي: 102 ـ 103. ... (2) الديوان:55. ... (3) المصدر نفسه: 20. ... (4) يُنظر: الزمن في الشعر الجاهلي، د. عبد الإله الصائغ، دار الرشيد، بغداد 1998م:326.