ولا يُمكننا تجاهل أهمّية المكان بالنسبة للعربي في الجاهلية حتى عندما يُفارقه، فهو مرغمٌ بسبب ظروف الطبيعة القاسية، ومع ذلك فهو يبكي على فراقه، يعيش جزيئيات تلك الأماكن الُمحبّبة ويحرص على وصفها بدقّة بالغة مُسخّرًا في سبيل ذلك مقدرته الخيالية الواسعة وحصيلته اللغوية الثرّة.
عندما نأتي إلى تحديد الأماكن في القصيدة الجاهلية في شعر الفرسان على وجه الخصوص نجدها تُمثّل الأماكن المفتوحة والتي لها دور لايُستهان به في رسم أبعاد شخصيّة الفارس، وإطلاق مُخيّلته، فيُمثّل ذلك الإتساع"تأكيدا على حُرّية الفرد أو تأكيدًا على الخروج من الذات إلى الآخر" (1) . ومن أبرز تلك الأماكن التي يمكننا أن نتوصل من خلالها إلى دلالات مهمّة: الصحراء، والطلل.
دلالة الصحراء:
تُعدُّ الصحراء من الفضاءات الواسعة المفتوحة بشكل لامُتناهٍ، ولايخفى ما لهذا الفضاء المفتوح من أثرٍ نفسي وفكري وجسدي في ساكنيه، ولاسيّما الشعراء إذ تساعدهم في خلق الإيحاءات والصور الشعرية المُقتبسة من ذلك الواقع الذي إمتزجوا معه حتى أصبحوا جُزءًا منه.
وفي الواقع تُمثّل الصحراء العدو الأول الذي يواجهه العربي في الجاهلية بما فيها من مخاطر محيطة به، بسعتها ومجاهلها، ووحوشها، وجفافها، كلُّ هذه الأُمور مُجتمعة أدّتْ إلى خلْق شعور نفسي خاص، دفعه إلى مواجهة المجهول والرغبة في تخطّي تلك الصعوبات، فكانت
(1) جماليات المكان، مجموعة باحثين: 32.