الصفحة 130 من 203

بل يألف بعضها وينفر من بعضها الآخر بحسب المُناسبات التي تمرُّ عليه فيها مُفرحة كانت أم مُحزنة"ففي لحظات السعادة تتآلف الشخصيّات بالأماكن، وفي لحظات البؤس تضطرُّ إلى مُغادرتها و التنكّر لها" (1) . أمّا المكان في النص الأدبي، فهو"المكان المُحدِّد لخصوصية اللحظة الدرامية الُمعالجة، فالحدث لا يكون في لامكان" (2) .

كما يحمل المكان في النص الأدبي دلالات مُختلفة تجعله أوسع بكثير من المكان الإعتيادي هو نفسه المكان الذي إستقى منه المُبدع صورته الشعرية لكن بفضل مُخيلته الواسعة ونزعاته النفسية، وعواطفه الخاصّة جعله أوسع دلالة ليجعل منه صورة محسوسة تُخاطب الوجدان لا صورة مرئية جامدة. (3) والمكان في النص الأدبي ليس نقلًا حرفيًا للطبيعة المُحيطة بالفنّان وإنّما هي الصورة التي يراها في مُخيّلته وما ينتجه الوضع النفسي الذي يمرُّ به الفنّان لحظة النظم، وهما من أهم عناصر النص الأدبي التي تؤثّر في المُتلقي ونقله إلى فضاءات النص عن طريق ما يُسمّيه النُقّاد بـ"الوصف الإنطباعي، فالأشياء لاتبدو كما هي في الواقع ... بل كما تبدو في ضمير الشخصيّة" (4) . فنحن نرى المكان من خلال وصف الشاعر وما يُمليه عليه وضعه النفسي والخيالي لا كما هو في الحقيقة، والشاعر الجاهلي إعتاد التآلف مع الأماكن الواسعة التي تربطه بإفراد قبيلته وإقامة أواصر القرابة، فهو إجتماعي بطبعه يحاول إيجاد نوع من الإستقرار في البيئة الصحراوية المضطربة.

(1) الفضاء عند جبرا إبراهيم جبرا، د. إبراهيم الجنداري، دار الشؤون الثقافية العامّة ـ بغداد، ط1، 2001م: 137. ... (2) جماليات المكان، مجموعة باحثين، الدار البيضاء، ط2، 1988م: 22. ... (3) يُنظر: التفسير النفسي للأدب، د. عزّ الدين إسماعيل، دار العودة ودار الثقافة ـ بيروت، 1963م: 66 ـ 67. ... (4) البناء الفني في الرواية العربية في العراق (أُطروحة دكتوراه) : 283.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت