ـ دلالات المكان:
من الطبيعي أن يتأثّر الإنسان في المكان الذي يعيش فيه لكنّ تأثّر الفنّان يكون أعلى درجة وأكثر عُمقًا لما يمتلكه من حسٍّ مُرهف وقدرة على التعبير، فيحاول من خلال ذلك تسخير النص الأدبي لإستيعاب أحاسيسه وعواطفه إزاء كُلُّ ما يُحيط به من ظروف، فالشاعر"إنّما سُمّي شاعرٌ لأنّه يشعر بما لايشعر به غيرُه" (1) ، فيقوم بأخذ جزء ممّا يحيط ويُعيد صياغته بحسب ما يُمليه عليه خياله، مُضفيًا عليه طابعًا من الحيوية، وبذلك يكون قد أضفى عناصرًا جديدة غير موجودة في الحقيقة بفضل خياله الغضّ وقُدرته على الخلق والإبداع مُعتمدًا على إحساسه الخاص بالموجودات.
وإذا ما تتبّعنا المعنى اللغوي للمكان سنجده مُشتقًّا من الكون، والكينونة، والصيرورة. (2) وإنّما يدلُّ ذلك على الوجود والإستقرار، فالمكان"هو الموضع الذي يُولد (يُحدث ويُخلق ويوجد) فيه الإنسان، وهوالموضع الذي (يستقرّ) فيه، وهوالموضع الذي يعيش ويتصوّر (يصير) فيه". (3)
إذن فالمكان ليس مُجرّد أبعادٍ هندسية تُحيط بنا، بل هو شيء نتفاعل معه، ننجذبُ إليه، نؤثّر فيه ويؤثّر فينا حتى يصبح جُزءًا من شخصّيتنا وأفكارنا، ونشعر تجاهه بالمسؤولية، فالمكان"الذي يُمكننا الإمساكُ به، والذي يُمكن الدفاع عنه ضد القوى المُعادية، أي المكان الذي نُحبّ، المكان الذي ينجذبُ نحوه الخيال لا يُمكن أن يبقى مكانًا لا مُباليًا ذا أبعادٍ هندسيةٍ و حسب" (4) . ولابدّ أن تختلف نظرة الإنسان للأماكن نتيجة لذلك الشعور، فهو لا ينجذب لجميع الأماكن،
(1) العمدة: 124. ... (2) يُنظر: لسان العرب، مادّة (كون) :195. ... (3) الإنتماء في الشعر الجاهلي، د. فاروق سليم، منشورات إتحاد الكُتّاب العرب ـ دمشق،1998م: 197.
(4) جماليات المكان، باشلر، ترجمة غالب هلسا، بيروت، ط4، 1996م:32.