للدلالة على أنّ وجود المكان ضروري جدًّا للإحساس بمرور الحوادث ومرور الوقت". (1) ومثلما يدرك الإنسان المكان الذي يعيش فيه ويتأثّر به فأنّه يدرك الزمان أيضًا، غير أنّ إدراكه للزمان يكون غير مُباشر يتمُّ من خلال تأثير الزمان في الموجودات المحيطة به وبالإنسان نفسه وما يمرُّ عليه من مراحل الحياة المُختلفة بدءًا بالطفولة، فالشباب، وإنتهاءً بالشيخوخة فالموت، وما يرافق هذه المراحل من تغيّرات جسدية وفكرية ونفسية، كما يدركه بتوالي الأيّام وإختلاف الليل والنهار وفصول السنة الأربعة، بينما يكون إدراكه للمكان حسّيًا مُباشرًا فهو واقع مرئي يراه ويلمسه،"فالتفاعل الذي يحدث بين البشر والمكان لا يحدث بينهم وبين الزمان، فالزمان قوّة مُتحكّمة في البشر يسير في مجراه من دون أن يقدر على إيقاف حركته الدائبة، كما لا يستطيعون العودة إلى الماضي أو القفز إلى المُستقبل، فيمكن القول أنّ المكان ـ بالمعنى الفيزيقي ـ أكثر إلتصاقًا بحياة البشر من حيث إنّ خبرة الإنسان وإدراكه له يختلفان عن خبرته وإدراكه للزمان" (2) ."
وعندما نُطالع الشعر الجاهلي نجد أنّ علاقة الزمان بالمكان أمرًا تفرضه طبيعة البيئة الجاهلية بموجوداتها، فجعلت من"حياة الشاعر الجاهلي بؤرةً نفسية يتلاقى فيها المكان والزمان". (3)
(1) النقد الأدبي الحديث من المحاكاة إلى التفكيك، د. إبراهيم محمود خليل، ... عمّان ـ الأردن، ط1، 1424هـ ـ 2003م: 184. ... (2) القارئ والنص، العلامة والدلالة، المجلس الأعلى للثقافة ـ مصر، 2002م: 37
(3) آليات الخطاب النقدي العربي الحديث في مُقاربة الشعر الجاهلي، بحث تجلّيات القراءات السياقية، د. محمّد بلوحي، منشورات إتّحاد الكُتّاب العرب ـ دمشق، 2004م: 103.