ـ الخلود المعنوي:
أمّا الموقف الأخير فهو مُحاولة الفرسان بلوغ الخلود المعنوي بالفروسية وما يتعلّق بها من خصالٍ عربية أصيلة تتصل بالكرم، والإجارة، وحماية الجار. يقول عنترة في الكرم: (1)
ولقد أبيتُ على الطوى وأظلُُّّه ... حتى أنَال بِهِ كريمَ المَأكَلِ
ويقول عروة في حماية الجار: (2)
ولا يُسْتَضَامُ الدَّهرَ، جاري ولا أُرَى ... كَمَنْ بَاتَ تَسْرِي للصَّديقِ عَقَارِبُهْ
إذ كان العربي يفخر بحماية الجار ويُبالغ في ذلك، لأن إتصافه بتلك الصفة كرامة له وباعثًا على الفخر ومن ثمّ ضمان الخلود والذكر الحميد، فالفارس يرى في هذه الأفعال النبيلة تحقيق السيادة والخلود لاالمال والثراء التي سرعان ما تزول بين ليلة وضحاها، يقول قيس بن الخطيم: (3)
أَرَى كَثْرَةَ المَعْرُوفِ يُورِثَ أَهْلَهُ ... وسَوَّدَ عَصْرُ السَّوْءِ غَيْرَ المُسَوَّدِ
إذا المَرْءُ لَمْ يُفْضِلْ ولَمْ يَلقَ نَجْدَةً ... مَع القَومِ فَلْيَقْعُدْ بِصُغْرٍ ويَبْعَدُ
يرى الفارس في الموت حركة دهرية زمنية تؤدي إلى فنائه وتلاشيه لذلك عمد إلى وسائل مختلفة للتحرّر من قبضة الفناء وصولًا إلى الخلود المعنوي يضمن له الإيقاف الجزئي لسطوة الزمن المتمثّلة بالموت، فيبقى ذكره الحميد عبر الأجيال وإن فني جسده،
(1) الديوان: 77. ... (2) الديوان: 20. ... (3) الديوان: 128.