الصفحة 166 من 203

حسّيات ووجدانيات ومعنويات" (1) . فالصورة الفنية القائمة على التشبيه تشترط أن يكون هناك مطابقة بين المشبه والمشبه به إمّا في الهيأة أو الشكل أو الحركة ويكون كما هو معروف بإستعمال أحد أدوات التشبيه المعروفة (الكاف، مثل، كأنّ) . فلو تأملنا قول عنترة حين يصف معركة خاضها وفرسان قبيلته، وقد صوّرها بمهارةٍ فائقة حتى أنّه لينقل السامع إلى ساحة المعركة ذهنيًا ونفسيًا، فيقول: (2) "

إذا نَحْنُ حالفْنَا شِفَارَ البَواتِرِ ... وسُمْرَ القَنَا فَوْقَ الجِيَادَ الضَّوامِرِ

على حرْبِ قومٍ كان فينا كِفَايةً ... ولو أنّهْمّ مِثْلَ البِحَارَ الزَواجِرِ

سلي ياابنة الأعمام عنّي وقد أتتْ ... قبائل كلبٍ مع غنيٍ وعامرِ

تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحرِ تَحْتَ غَمَامَةٍ ... قد إنْتَسَجَتْ من وَقْعِ ضَرْبِ الحَوافِرِ

نجد أنّ الشاعر قد تعامل مع الموجودات تعاملًا محسوسًا من خلال تلك التشبيهات التي جعلها تمثل تعبيرا خاصًا عمّا يجول في دواخله من إحاسيس ثائرة ً فرأى كُلّ شيء حوله يموج فإنعكس شعوره الداخلي بالإعتزاز الذاتي على الموجودات فكانت وسيلة لإبراز قوّته وجسارته، كلّ هذه الأُمور عملت على خلق حركة مرئية محسوسة بتموجاتها وإنفعالاتها، فجاءت صورة (البحار الزواجر) دلالة على الكثرة المصحوبة بقوّة الحركة والصوت التي تميّز بها الخصم، فكانت كتلاطم الأمواج الشديدة، كما يُمكننا من خلال تلك الصورة الصوتية التي خلقتها مخيلة الشاعر سماع الأصوات الغاضبة في ساحة الوغى، وتخلق لنا الصورة البصرية

(1) الكامل في اللغة والأدب: 203. ... (2) الديوان: 196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت