ويُقدِّم لنا قيس بن الخطيم مثالًًا على ذلك، فيقول: (2)
أصابت سراة ًم الأغرَ سيوفُنا ... وغُودر أولاد الإماء الحواطب
إنّ في غزوتهم تلك لم يقتلوا سوى سراة القوم وساداتهم؛ لأنهم أقرانهم في المنزلة، وعفوا عن بقية القوم الذين كانوا دونهم في المنزلة فمن غير اللائق بهم منازلتهم، فضلًا عن ذلك ليس فخرًا لهم.
ولم يكن عروة بن الورد أقلّ من سابقيه إنصافًا لخصمه، فهو لا يُقاتل إلاّ الفرسان الشجعان، يقول: (3)
إذا قيل يابن الورد أقدم إلى الوغى ... أجبتُ فلاقاني كميٌ مقارعُ
فأتركه بالقاع، رهنًا ببلدةٍ، ... تعاورُهُ فيها الضباع الخوامعُ
ممّا تقدّم تضعنا الشواهد الشعرية للفرسان، بإزاء دلالة ذات وجهين، الأولى: إنّ الفارس يسعى من خلال إنصاف خصمه إلى إثبات الصفات الإيجابية لـ (الأنا) على (الأنتَ) فيكون فخرًا غير مباشر للذات، ولاسيّما أنّه لم يُسمَّ الفارس على وجه الخصوص، بل اكتفى الشعراء الفرسان بذكر
(1) جدلية القيم في الشعر الجاهلي، د. بوجمعة بوبعيو، منشورات اتحاد الكُتّاب العرب، دمشق،2001م:63. (2) الديوان: 91. ... (3) الديوان: 66.
صفات الفروسية والإقدام. أمّا الدلالة الأُخرى فهي تعكس جانبًا أخلاقيًا نبيلًا يتّسم به الفارس الجاهلي من خلال إعترافه بشجاعة خصمه والشهادة له بها.
ممّا تقدّم توافرت بي أيدينا مجموعة من التقاليد التي تُمثَّل علامات دلالية تنوب مناب أفكار معيّنة موجهة إلى المتلقي لبلوغ غاية ما، فكانت تلك التقاليد بمثابة بصمات نفسية تعكس