هذين الأمرين لنكتة بلاغية، أما المعطوف فالحذف يكون فيه لمقتضى المقام أي ان يذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفي بأحدهما عن الاخر [1] .
وقد تناول البقاعي هذا النوع من الحذف في قوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاواتِ وَالارْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} {الصافات: 5} أي ورب المغارب قال البقاعي:"ولما كان السياق للافاضة بالتلاوة وغيرهما قال رب المشارق التي تجلى كل يوم وذكرها يدل قطعًا على المغارب لانها تختلف بها واعاد الصفة معها تنبيهًا على وضوح دلالتها بما فيها من السياق له من الاصطفاف الدال على حسن الائتلاف" [2] . ومنه أيضًا قوله تعالى: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} {يّس: 40} فالاية من الاحتباك اذ نفى اولا ادراك الشمس لقوتها دليلًا على ما حذف من الثانية من نفي ادراك القمر للشمس وذكر ثانيا: ً سبق الليل النهار لما له من القوة بما يعرض من النهار فيغشيه وهو دليل على حذف سبق النهار الليل اولًا [3] . وهذا مما لم نجده عند قسم من المفسرين [4] اذ لم يفسروا الاية على الحذف. ومنه قوله تعالى: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} {الانعام: 55} قال البقاعي:"عطفًا للضد على ضده فان في الاختيار نوع خفاء .. (وَلِتَسْتَبِينَ) أي تظهر ظهورًا بينًا (سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) وخص هذا بالذكر وان كان يلزم منه بيان الاول والتقدير (والمؤمنين) وحذفه لان السياق مخصوص بالمجرمين ولان دفع المفاسد أهم" [5] . وقيل انه اخص سبيل المجرمين لانهم اثاروا ما تقَدّمَ من الاقوال وهم اهم في هذا الموضع [6] . وامثلته في تفسير كثيرة [7] .
(1) ينظر: أسلوب القسم واجتماعه مع الشرط في رحاب القرآن الكريم: 108 - 109، وأسلوب الحذف في القرآن الكريم: 107
(2) نظم الدرر: 16/ 193.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 16/ 132. وينظر: الكشاف: 3/ 323.
(4) ينظر: الوسيط: 3/ 514، والتسهيل: 3/ 164، وانوار التنزيل: 2/ 282.
(5) نظم الدرر: 7/ 131.
(6) ينظر: التحرير والتنوير: 12/ 309.
(7) ينظر: على سبيل التمثيل: 1/ 399 - 400، 7/ 34، 11/ 472، 12، 294.