الصفحة 106 من 302

ومن حذف حروف الجر التي تناولها البقاعي أيضًا قوله تعالى: {او جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ} {النساء: 90} بتقدير عن ان يقاتلونكم لاجل دينهم [1] . ومعنى {حَصِرَتْ} ضاقت وكل من ضاق صدره بأمر فقد حصر [2] . وهذا مما تفرد البقاعي في تفسيره لحذف حرف الجر اذ لم نجده عند الواحدي والزمخشري وابن جزي [3] . وقد ذكر البيضاوي الحذف في السياق بالقول: عن ان يقاتلوكم أو لأن يقاتلوكم [4] . وهذا يدلنا على أنَّ البقاعي يسير على خطى الزمخشري تارة وعلى خطى البيضاوي تارة أخرى ويؤكد مقولته أنّ تفسيره جعله رديفًا لتفسير الكشاف والبيضاوي مع وضوح شخصية البقاعي في قسم كبير من تفسيره.

ومن اساليب حذف الحروف التي تناولها في تفسيره:

حذف الواو: ويحذف بحسب السياق وقد ذكر البقاعي الغرض البلاغي لحذف الواو للتأكيد والبشارة في قوله تعالى: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} {الشورى: 24} اذ حذفت الواو منه وهي لام الفعل علامة على سرعة الحق وتأكيدًا وبشارة لمحو الباطل واحقاق الحق، قال البقاعي:"... ايماء الى أنه سبحانه يمحق رفعه وعلوه، وغلبته التي دلت عليها الواو مطابقة بين خطه ولفظه، ومعناه تأكيدًا للبشارة ... وفي الحذف أيضًا تشبيه بفعل الأمر إيماء الى أنَّ ايقاع هذا المحو أمر لا بدَّ من كونه على أتم الوجوه وأحسنها" [5] . وتفرد البقاعي بذكر الغرض البلاغي للحذف هنا.

والزمخشري يؤول سقوط الواو في {يَمْحُ} في بعض المصاحف لاتباع اللفظ [6] . وتابعه البيضاوي في الرأي نفسه. وهذا مما لم نجده عند الواحدي وابن

(1) ينظر: نظم الدرر: 5/ 357.

(2) الذين وصفوا بضيق الصدر عن القتال هم بنو مدلج من بني كنانة وكان بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد ان لا يقاتلوه فنهى الله عن قتال هؤلاء المرتدين ان إتصلوا بعهد او جوار او حلف؛ لأنَّ من انظم الى قوم ذوي عهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلهم في حقن الدم والمال. ينظر: تفسير ابن عباس: 76، والزجاج: 2/ 95، والفراء: 1/ 282 وغرائب النيسابوري: 5/ 129

(3) ينظر: الوسيط: 2/ 92 والكشاف: 1/ 551 والتسهيل: 1/ 151

(4) ينظر: انوار التنزيل: 1/ 229.

(5) نظم الدرر: 5/ 357.

(6) ينظر: الكشاف: 3/ 468 وانوار التنزيل: 2/ 363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت