الصفحة 120 من 302

يصيب صدر الضال فمثله كمثل ذلك الذي يرفع الى مكان شاهق فيكاد يضيق نفسه ويختنق وهو دلالة على الضيق والضجر.

ويذهب ابو حيان في تفسيره للآية بما ذهب اليه ابن جزي وهي استحالة الصعود الى السماء معتمدًا قول الزمخشري فيقول:"والجملة التشبيهية معناها كأنما يزاول امرًا غير ممكن، لأنّ صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة وتضيق عنه المقدرة" [1] .

إنَّ المناقشة العلمية الدقيقة تدلنا على أنّ عدم القدرة على التنفس في الاماكن العالية والضيق الذي ينتاب الروح والوصول الى مرحلة الاختناق تُرجّح قول البقاعي الذي أورده في التشبيه السابق، فالمقتضى البلاغي من هذا التشبيه هو بيان حال الضال الذي لايصل الى قلبه الايمان او تجسيد حالة الكفر النفسية وتوضيحها ورسمها بصورة تتمثل في النفوس وتتكشف.

وهكذا نجد أنّ البقاعي ينطلق في تفسيره من منطلق أكثر عمقًا من غيره من المفسرين مع كونه متأخرا عنهم، فهو يغوص في المعانّي البلاغية والنفسية التي يعانّيها الكافر.

وتتكرر أمثلة التشبيه في القرآن الكريم فنجد قوله تعالى: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ} {هود: 24} . قال البقاعي في تفسير التشبيه قوله تعالى {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ} أي الكافرين والمؤمنين، وهو من باب اللف والنشر المرتب، فان الكافر ذكر فيما قبل اولًا ... {كَالْأَعْمَى} أي العام العمى في بصره وبصيرته {وَالْأَصَمِّ} في سمعه كذلك، فهذا للكافرين {وَالْبَصِيرِ} بعينه وقلبه {وَالسَّمِيعِ} على اتم احوالهما وهذا للمؤمنين، وفي افراد المثل طباق ايضًا {هَلْ يَسْتَوِيَان} أي الفريقان {مَثَلًا} أي من جهة المثل. ولما كان الجواب قطعًا لمن له ادنى تأمل:"لايستويان مثلًا فلا يستويان ممثولا" [2] .

(1) الكشاف: 2/ 49، والبحر المحيط: 4/ 218.

(2) نظم الدرر: 9/ 263 - 264. وينظر: الكشاف: 2/ 264، والوسيط: 2/ 570.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت