الصفحة 121 من 302

والمدقق في كلام البقاعي يلاحظ أنّه اكتفى بإسناد العمى والصمم للكافر والسمع والبصر للمؤمنين دون ان يحلل التشبيه أو إظهار طبيعة مكوناته أو أطرافه، فقد كان غرضه اظهار معنى الآية والتفريق بين الكافر والمؤمن بضرب المثل.

وهذا التشبيه هو من المفرد بالمفرد، فالمؤمن كالسميع والبصير والكافر كالاعمى والاصم فقابل تعالى تشبيه واحد بواحد، وكيفية بكيفية للمقارنة بين حالتين متناقضتين ومهمة المثل التوضيح والتقريب.

وقد قسم القدماء ومنهم السيوطي التشبيه بعدّة تقسيمات ومن هذه التقسيمات تقسيم على أساس طرفيه الى أربعة أقسام، لأنّهما: إِمّا حسيان أو عقليان، أو المشبّه به حسي والمشبه عقلي أو عكسه [1] .

ثم أردف السيوطي حديثه عن النوع الرابع فقال بعد ان أورد أمثلة عن الأنّواع الثلاثة الاولى:"ومثال الرابع لم يقع في القرآن، بل منعه الامام أصلًا، لأنّ العقل مستفاد من الحس، فالمحسوس اصل للمعقول، وتشبيهه به [2] يستلزم جعل الاصل فرعًا والفرع اصلًا، وهو غير جائز" [3] .

وقد توصل احد الباحثين في دراسته للمثل القرانّي الى نتيجة تفيد ان:"القسم الاول من هذه الأنّواع متوافر في المثل القرانّي، وكذلك القسم الثالث منه، واما القسم الثانّي والرابع فلم يقعا في المثل القرانّي، إذ لم اعثر في التشبيه القرانّي للمثل على كون التشبيه عقليًا في طرفيه المشبه والمشبه به، ولم ينص أحد في حدود تتبعي على ذلك والسبب ان مهمة المثل هي التقريب والإيضاح وهذا ما لا يصح بتمثيل المجرد بالمجرد" [4] .

والتشبيه التمثيلي تشبيه واقع في آيات كثيرة في القرآن الكريم، فكلما أوغل المشبه في العقل كانت الحاجة الى الصورة أو المشبه به المحسوس اكبر. والجرجانّي يعتمد على التشبيه التمثيلي لشرح الاستعارة القرانّية والتمهيد لفهمها فيقول:"واعلم أنّ المثل قد يضرب بجمل لابد فيها من أنّ يتقدمها كلام مذكور يكون مشبهًا به ولا يمكن حذف المشبه به"

(1) الاتقان: 2/ 774.

(2) أي تشبيه المحسوس بالمعقول، وجعل المعقول مشبها به والمحسوس مشبها.

(3) الاتقان: 2/ 775.

(4) الصورة الفنية في المثل القرانّي: 187.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت