الصفحة 122 من 302

والاقتصار على ذكر المشبه ونقل الكلام إليه حتى كأنه صاحب الجملة الا أنه مشبه بمن صفته وحكمه مضمون تلك الجملة ..." [1] ."

وذلك في مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنّعَامُ} {يونس: 24} . قال البقاعي:"ولما كان السياق لإثبات البعث وتخويفهم به ... وكانت الأمثال أجلى لمحال الأشكال، قال تعالى ممثلًا لمتعاعها قاصرًا أمرها على الفناء ردًا عليهم في اعتقاد دوامها من غير بعث {إِنَّمَا} فهو قصر قلب {مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} التي تتنافسون فيها في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها بعد عظيم اقباله {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ} فشبهه بأمر النبات وانه عما قليل يبلغ منتهاه فتصبح الارض منه بلاقع بعد ذلك الاخضرار والينوع ..." [2] .

فالبقاعي ابتدأ بذكر الغرض البلاغي للتشبيه وهو التخويف وبيان سرعة فنائها.

ومعنى الآية التشبيه والتمثيل، أي صفة الحياة في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كالماء لأنّه لايستقر في موضع، كذلك حال الدنيا تفنى.

وفي سورة الكهف يتتابع البقاعي تفسيره عند قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} {الكهف: 45} . قال البقاعي:"ولما اتم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي ابطرتهم وكانت سبب اشقائهم وهم يحسبون أنّها عين إسعادهم، ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس في قلة بقائها وسرعة فنائها، وانّ من تكبر بها كان أخس منها فقال ... {مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي التي صفتها - التي هم بها ناطقون - تدل على ان ضدها الأخرى في ينوعها ونضرتها ... ثم اضمحلالها وسرعة زوالها ... وذلك المثل {كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ} بعظمتنا بعد يبس الارض وجفاف ما فيها وزواله وبقلعه كما تتشاهدونه واستئصاله، وقال {مِنَ السَّمَاءِ} تنبيها على بليغ القدرة ..." [3] .

فالبقاعي يفسر الآية كما تقدم في (يونس) وقالت الحكماء وانّما شبه تعالى الدنيا بالماء لأنّ الماء لايستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على واحد، ولأنّ الماء لا يستقيم على حالة واحدة كذلك الدنيا، ولأنّ الماء لا يبقى ويذهب كذلك الدنيا تفنى، ولأنّ الماء لا

(1) اسرار البلاغة: 91.

(2) نظم الدرر: 9/ 101.

(3) المصدر نفسه: 12/ 67 - 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت