يقدر احد ان يدخله ولا يبتل كذلك الدنيا لايسلم احد دخلها من فتنتها وافتها، ولأنّ الماء اذا كان بقدر كان نافعًا منبتًا، واذا جاوز المقدار كان ضارًا مهلكًا. وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له رجل: يا رسول الله، انّي اريد ان اكون من الفائزين، قال: [ذر الدنيا وخذ منها كالماء الراكد فان القليل منها يكفي والكثير منها يطغي] [1] .
ان المعانّي التي اوردها البقاعي في تفسيره انما تعزى الى غرض واحد هو التفكير في الاخرة والزهد في الدنيا الزائلة. قال البقاعي:"فهي جديرة لذلك بالزهد فيها والرغبة عنها، وان لا يفتخر بها عاقل فضلًا عن ان يكاثر بها غيره" [2]
قال الزمخشري:"وهذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الاقبال بحال نبات الارض في جفافه وذهابه حطامًا بعدما التف وتكاثف ..." [3] وفي المعنى نفسه ذهب أبو حيان مستشهدًا بقول الزمخشري ورابطًا المقتضى البلاغي للتشبيه التمثيلي بمناسبة الآية التي قبلها [4] .
لذا نجد في القرآن الكريم كثيرًا من التشبيهات لتجلية المعانّي وتقويتها في الاذهان قصد الفهم والافهام والافادة وتشكيل الصور المختلفة.
ولهذا اهتم البقاعي اهتمامًا كبيرًا بالتشبيه كما انّه أطلق اسم التمثيل على التشبيه احيانًا متابعًا الزمخشري في ذلك وهذا يوضح لنا ان البقاعي متأثرٌ بالزمخشري ومدرسته.
وفرق طائفة من البلاغيين والجرجانّي منهم بين التشبيه والتمثيل قال:"اعلم ان التشبيه او التمثيل اخص منه فكل تمثيل تشبيه وليس كل تشبيه تمثيلًا" [5] . اما السكاكي فيرى ان تمثيل ما كان وجه الشبه فيه وصفًا غير حقيقي منتزعًا من امور عدة خص باسم التمثيل" [6] ."
وقد اتضح الجمع بين التشبيه والتمثيل أو تسمية التشبيه تمثيلًا في تفسير قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} آل
(1) صحيح مسلم باب (43) في الكفاف والقناعة رقم (1054) حديث صحيح رجاله ثقات.
(2) نظم الدرر: 12/ 69. وينظر: الجامع لاحكام القرآن: 1/ 367 - 368.
(3) الكشاف: 2/ 233.
(4) ينظر: البحر المحيط: 5/ 141 - 143.
(5) اسرار البلاغة: 75، والكشاف: 1/ 195، ومعجم المصطلحات البلاغية: 2/ 184.
(6) مفتاح العلوم: 346.