وقد وقف البقاعي عند التشبيه في الآيات القرآنية اذ نجده ينص على الشبه ووجه الشبه صراحة، من ذلك ما أورده من دلالة قوله تعالى: {َيوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} {القارعة: 4} . اذ قال في تقدير المعنى للآية:" {النَّاسُ} أي الذي حالهم النوس على كثرتهم واختلاف ذواتهم وأحوالهم ومراتبهم ... {كَالْفَرَاشِ} أي صغار الجراد لأنّها تتفرش وتتهافت على النار، وهو طير غير ذلك لا دم له، يتساقط في النار ... وشبههم بالفراش التي تطير من هنا ومن هنا ولا تجري على سمت واحد وهي همج يجتلبها السراج ووجه الشبه الكثرة والأنّتشار والضعف والذلة والتطاير الى الداعي من كل جانب كما تتطاير الفراش، وكثرة التهافت في النار ... من الشدة الهول كما قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} " [1] .
وهذا ما ذهب اليه الفراء والزمخشري والبيضاوي [2] . والمعنى نفسه تقريبًا، ولكن نجد البقاعي يتوسع بذكر قسم من الدلالات كالناس، والفراش وهذا من تقريب الصورة وتوضيحها وهذا ما لم نجده عند غيره من المفسرين.
وفي تفسيره لقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} {الجمعة: 5} . فالبقاعي في هذه الآية يحدد لنا وجه الشبه وهو يجمع بين شيئين اشتركا في صفة معينة، قال:" {كَمَثَلِ} أي مثل { ... الْحِمَارِ} الذي هو ابله الحيوانات، فهو مثل في الغباوة حال كونه {يَحْمِلُ أَسْفَارًا} أي كتبًا من العلم كاشفة للامور ... واسفار جمع سفر، وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه. ولما كان المثل الجامع لهما - تحول - وهو وجه الشبه - شخصًا مثقلًا متعبًا جدًا بشيء لا نفع له به أصلًا فهو ضرر عليه ... تتبع قوله معبرًا بالأداة التي هي لجامع الذم ترهيبًا للآدميين ... فيكونوا أسوأ مثلًا من اهل الكتاب فيكونوا دون الحمار لأنّ رسولهم - صلى الله عليه وسلم - اعظم وكتابهم أعلى واضخم ..." [3] ثم نجده يبين دلالات اخرى للنص القرانّي"وهذا المثل وان كان نصًا في اليهود فهو لجميع قراء السوء من كل ملّة لاشتراكهم معهم في وجه الشبه كما ان مثل الكلب"
(1) نظم الدرر: 22/ 222.
(2) ينظر: معانّي القرآن: 3/ 286، والكشاف: 4/ 279، وانوار التنزيل: 2/ 617.
(3) نظم الدرر: 20/ 55 - 57.