فابن جني يبين في كلامه المقتضى البلاغي من التشبيه المقلوب ويسميه (المبالغة) . ووضع العلوي (ت749هـ) شرطًا لاستعماله في قوله:"والشرط في استعماله انّ لا يرد إلا فيما كان متعارفًا حتى تظهر فيه صورة الأنّعكاس لأنّه لو ورد في غير المتعارف لكان قبيحًا لأنّ مطرد العادة في البلاغة على تشبيه الأدنى فاذا جاء على خلاف ذلك فهو معكوس" [1] .
وقد تناول البقاعي اسلوب التشبيه المقلوب في القرآن الكريم لاظهار الصورة المرادة والذي يؤخذ عليه انه مر في التفسير على مواضع التشبيه المقلوب ولم يذكر نوع التشبيه وانّما أورد المعنى العام للآية. ففي قوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} {صّ: 28} .
يقول البقاعي:"في الآية ان {أَمْ} هنا استفهامية يراد بها الأنّكار: أي ان الله لا يجعل المؤمنين والمتقين كالمفسدين والفجار بل يجازي كل واحد بعمله لتظهر حكمة الله في الجزاء [2] ."
وهو يذهب الى أبعد من ذلك فيفسر الآية والمعنى لا يستوي عند الله من اصلح ومن افسد ولا من اتقى ومن فجر وكيف تكون التسوية بين من اطاع الله ومن عصى والتسوية منتفية اذ يقول:"ولا شك أنَّ المساواة بين المصلح والمفسد والمتقي والمارق لا يراها حكيم" [3] .
واصل الكلام في الآية:"أنجعل المفسدين كالمصلحين والفجار كالمتقين ولكنه عكس مبالغة المسايرة لظن الكافرين بأنهم أرفع مكانة من المؤمنين المتقين في الاخرة كما انهم كذلك في دنيا، لأنّ الاصل ان يشبه الادنى بالاعلى" [4] .
فالتشبيهان المعكوسان وردا على سبيل الاستنكار وإظهار صورة الكافرين، بالقبح عن طريق تصوير نفوسهم المريضة لأنّهم يعدون أنفسهم ارفع شأنًا من المؤمنين.
(1) الطراز: 1/ 309.
(2) ينظر: نظم الدرر: 16/ 372 - 373.
(3) المصدر نفسه: 16/ 372.
(4) القرآن والصورة البيانّية: 96.