الصفحة 129 من 302

لهذا يرى ابن سنان (ت 466 هـ) انّ الأصل في"حسن التشبيه ان يمثل لأجل إيضاح المعنى وبيان المراد، او يمثل الشيء بما هو اعظم واحسن وابلغ منه فيكون حسن ذلك لاجل الغلو والمبالغة" [1] .

ومن مواطن التشبيه المقلوب قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} {الجاثية: 23} .

أشار البقاعي الى التشبيه المقلوب أي أطاع هواه حتى صار كانه له اله. فلا ينفذ الأنّسان صاحب الهوى إلا بما يأمره هواه [2] . وهو من باب التقديم والتأخير والذي أشار اليه البقاعي ايضا بقوله: أفرايت من اتخذ هواه اله فهو مطواع لهوى نفسه يتبع ما تدعوه اليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه. والبقاعي يتخذ من بقية المفسرين جزيئات يضمنها تفسيره لبعض الآيات كما فعل في هذه الآية [3] .

فوضع {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} ... بدلًا من قوله (هواه إله) فجعل معبوده يخضع له ويطيعه، كما يخضع العابد لمعبوده، فالصورة تبين ذلك الأنّسان الذي لا يهوى شيئًا الا عبده، فكل ما تحبه نفسه يعبده ويجعله إلهه، فبين هذا القلب في التشبيه مدى جهل قلب ذلك الذي يتخذ إلهه هواه وقساوته.

وقد فسر الزركشي هذه الآية فقال:"وأصل الكلام"هواه إلهه كما تقول:"اتخذ الصنم معبودًا لكن قدم المفعول الثانّي على الأول للعناية، كما تقول: اتخذ الصنم معبودًا، كما تقول: علمت منطلقًا زيدًا، لفضل عنايتك بانطلاقه" [4] .

لقد كان الهدف من التشبيه المقلوب لدى البقاعي إظهار المعنى من غير انّ يذكر نوع التشبيه وهذا من ضمن المآخذ عليه؛ إذ نجد كثيرًا من المفسرين سمّوا هذا النوع ومنهم من سماه المعكوس او المقلوب كما نص على ذلك ابن جزي [5] .

3.التشبيه المؤكد

عرفت البلاغة التشبيه المؤكد بانّه ما حذفت فيه الأداة ويسمى تشبيه الكناية [6] . لقوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} {النمل: 88} .

وقد ذكر البقاعي انّ أداة التشبيه محذوفة حينما قال:" {وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} تسير حتى تكون كالعهن المنفوش فينسفها الله فتقع حيث شاء كأنها الهباء المنثور" [7] .

ثم يفسر هذا التشبيه القرآني بانّ هذه الجبال تحسبها في راي العين ثابته مقيمة في اماكنها وهي سائرة وتشبيه مرورها بمر السحاب، الإ انّ سيرها خفي وان كان حثيثًا وهكذا كل كبير الجرم أو كثير العَد اذا تحركت لا تكاد تبين حركتها، والناظر الحاذق يظنه واقفًا [8]

ونلاحظ انّ البقاعي اعتمد في تفسيره للآية على الفيزياء أو ما يسمى بالخداع البصري فالأحجام الكبيرة عندما تتحرك بسرعة نحو اتجاه واحد يظن الرائي انها ثابته في مكانها وهي في الحقيقة مسرعة متحركة. وكذلك الجبال عندما تسير يحسب الناظر انها ثابتة.

هذا التفسير ذكره الزمخشري والرازي (ت 606 هـ) واعتمده ابو حيان [9] .

إنّ البقاعي تناول التشبيه تناولًا مختلفًا عن غيره من المفسرين أمثال القرطبي وابن جزي [10] فهو يبتدئ كلامه في تصوير حركة الجبال وتكوين مفردات التشبيه بل يقارن هذه الحركة او هذا التشبيه بتشبيهات مؤكدة ثم ينتقل الى التفسير بالمأثور [11] .

ومن التشبيه المؤكد قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} {آل عمران: 133} . قال البقاعي في تفسير الآية:" {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} أي كعرضهما، فكيف بطولهما، ويحتمل ان"

(1) سر الفصاحة: 237.

(2) ينظر: نظم الدرر: 18/ 94.

(3) المصدر نفسه: 18/ 94 - 95. ينظر: الجامع لاحكام القرآن: 16/ 156، والبحر المحيط: 8/ 48.

(4) البرهان: 3/ 277.

(5) ينظر: التسهيل: 3/ 101.

(6) ينظر: معجم المصطلحات البلاغية: 2/ 197.

(7) نظم الدرر: 14/ 223.

(8) المصدر نفسه: 14/ 223.

(9) ينظر: الكشاف: 3/ 162، والتفسير الكبير: 12/ 218، والبحر المحيط: 7/ 100.

(10) ينظر: الجامع لاحكام القرآن: 13/ 225، والتسهيل: 3/ 101.

(11) ينظر: نظم الدرر: 14/ 223 - 224.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت