الصفحة 142 من 302

ثم جاء القزويني والسكاكي وقسما الاسستعارة على انواع متعددة وسأعرض في بحثي هذا الاستعارة عند البقاعي معتمدًا على تقسيمات السكاكي والقزويني واصنف انواعها بحسب ورودها في كتب البلاغيين وأبين هل ادرس البقاعي في حديثه عن الاستعارة انواع الاستعارة أم درسها في لفظ المجاز أو الاستعارة من غير أن يسمى النوع؟ وهل بحث البقاعي في الاغراض البلاغية عن الاستعارة وما ترمي اليه.

الاستعارة عند البقاعي:

كانت الدراسات السابقة تنحو نحو التفريق بين انواع الكلام واساليبه وكان المنهج المتبع منهجًا نقليًا في الغالب، فالاقدمون مهدّوا طريق البلاغة للاحقين وقد رأينا كيف تطورت الاستعارة حتى استتبت قوانينها ذات الاتجاه الفلسفي عند السكاكي والقزويني لذا نجد البقاعي استعمل تسميات السابقين ولعل ذلك يرجع الى التطور النهائي الذي استقر في القرن السابع لدى السكاكي والقزويني وكان البقاعي على علم بهذه المصطلحات مستعملًا لها.

والاستعارة فن بلاغي تنأوله البقاعي وذكره في تفسيره وكتبه [1] وفصّل في مواضع وأوجز في مواضع أخرى ومن هذه الاستعارات.

1.الاستعارة الاحتمالية:

عرف السكاكي الاستعارة الاحتمالية فقال:"هي ان يكون المشبه المتروك صالح الحمل تارة على ماله تحقق واخرى على ما لا تحقق له" [2] .

وقال في التحقيقية:"أن يكون المشبه المتروك شيئًا متحققًا اما حسيًّا واما عقليًّا" [3] .

فالاستعارة الاحتمالية مصطلح اعتمده السكاكي وهو يمعن النظر في طبيعة المشبه المحذوف فاذا التبس الأمر فيه بين الواقع والخيال سميت استعارة احتمالية.

ففي قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} {النحل: 112} .

إنَّ الآية تضمنت استعارتين الأولى في الاصل تشبيه اصله: الجوع كالطعام يذاق وهي صورة ذوقية مكنية حذف فيها المشبه به وهو الطعام، والثانية: الجوع كالانسان يلبس لباسًا وهي صورة بصرية مكنية. فالاستعارة الأولى اعتمدت على حاسة الذوق والثانية اعتمدت على حاسة النظر فالاستعارة الأولى استعيرت حتى صارت كالحقيقة، اما الاستعارة الثانية أي استعارة اللباس للجوع فمنهم من حملها على الحقيقة ومنهم من حملها على التخييل.

وعندما فسر السكاكي الآية بين أنّه يمكن أنْ يكون اللباس محمولًا على التخييل أو على الحقيقة، أي انّ لفظ اللباس استعير أو كنّي به عمّا يلبسه الانسان في حالة الجوع وتصوير وجهه بالاصفرار ورثاثة الهيأة [4] .

والبقاعي فسر هذه الاستعارة بقوله [5] :"... لباس الجوع والخوف حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباسًا، وبشدة عركهم ذواقًا، فكأن النظر الى المستعار له، وهو هنا ابلغ لدلالته على الاحاطة والذوق، ولو نظر الى المستعار لقال فكساها، فكان يفوت الذوق، وذلك كما نظر اليه كثير في قوله:"

غمر الرداء اذا تبسم ضاحكًا ... غلقت لضحكته رقاب المال

استعار الرداء للمعروف، لانّه يصون العرض صون الرداء لما يلقى عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، وصف الرداء الذي هو مستعار، ولو نظر اليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلًا كما نظر اليه من قال ذاكرًا السيف الذي يصون به الانسان نفسه:

ينازعني ردائي عبد عمرو ... رويدك يا اخا بكر بن عمرو [6]

لي الشطر الذي ملكت يميني

(1) ذكر البقاعي الاستعارة في تفسيره وفي كتبه المطبوعة منها والمخطوطة ذكرها في كتابه مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور وسيأتي بيانه في الامثلة. وكذلك في مخطوطة الجواهر والدرر في مناسبة الآي والسور برقم (2143) في (38) ورقة ص 21 - 25.

(2) مفتاح العلوم: 176.

(3) المصدر نفسه: 176.

(4) مفتاح العلوم: 178، والايضاح: 2/ 408 - 409، والتلخيص: 328.

(5) نظم الدرر: 11/ 265.

(6) وروآية البيت في الايضاح: 2/ 432، والخصائص: 2/ 445، والكشاف: 2/ 431 - 432 بقوله:

رويدك يا اخا عمرو بن بكر ... .. وهو الصواب حسب مجيء القافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت