وهي الاستعارة التي يكون فيها اللفظ المستعار اسمًا جامدًا غير مشتق وقد عرفها السكاكي فقال:"هي أن يكون المستعار اسم جنس كرجل وكقيام وقعود. ووجه كونها اصلية هو أنّ الاستعارة مبناها على تشبيه المستعار بالمستعار منه" [1] .
ومن هذا النوع نجد قوله تعالى: {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} {ابراهيم: 1} . فـ {الظُّلُمَاتِ} و {النُّورِ} اسمان جامدان استعيرا للكفر والايمان فالاستعارتان اصليتان.
قال البقاعي في تفسيرها: {منَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي من ظلمات الكفر والضلال والجهل الى نور الايمان والعلم وشبه الايمان وما ارشد اليه بالنور لانه عصمة العقل من الخطأ كما ان النور عصمة البصر من الضلال عن الطريق الحسي [2] .
ويبدو أنّ القرطبي كان يستعمل (التشبيه) مكان الاستعارة وهو في شرحه للآية وضح المشبه المحذوف وهو"الكفر"و"الايمان"الاّ انه لم يذكر نوع الاستعارة.
إنَّ الاستعارة المتضمنة في الآية هي استعارة تصريحية فقد حذف المشبه وهو الكفر وصرح بالمشبه به وهو النور. وهاتان الصورتان بصريتان فقد اعتمد فيهما حاسة البصر وشبه فيهما المعقول بالمحسوس فالايمان والكفر شيئان معنويان ندركهما بالعقل والقلب، والظلمات والنور شيئان محسوسان ندركهما بالبصر وهذا الذي ذهب اليه البقاعي ولم نجده عند غيره من المفسرين [3] .
وقد قال الجرحاني في استعارة المحسوس للمعقول:"هو الصميم الخالص من الاستعارة. وحده ان يكون الشبه مأخوذًا من الصورة العقلية وذلك كاستعارة النور للبيان والحجة الكاشفة عن الحق المزيلة للشك النافية للريب" [4] وأورد الجرحاني كلامًا عن الصورة الذوقية والبصرية والشمية [5] . وهذه الاستعارة الاصلية لم يصرح بها اكثر المفسرين [6] ووجدنا البقاعي قد صرح بها متابعًا الجرجاني في هذا التفسير.
(1) مفتاح العلوم: 179.
(2) ينظر: نظم الدرر: 10/ 370 - 371. وينظر: 14/ 114.
(3) ينظر: الجامع لاحكام القرآن: 9/ 295، والتسهيل: 2/ 137.
(4) اسرار البلاغة: 49.
(5) المصدر نفسه: 50 - 53.
(6) البحر المحيط: 5/ 403، وانوار التنزيل: 1/ 512.