الصفحة 145 من 302

3.الاستعارة بالكناية:

وهي تشبيه حذف منه المشبه به وَكُنيِّ عنه بشيء من لوازمه. وعرفها الجرجاني وإنْ لم يصرّح بلفظ الكناية ولكنه وضعها تحت عنوان الاستعارة المفيدة، فقال:"ان يؤخذ الاسم من حقيقته ويوضع موضعًا لا يبين فيه شيء يشار اليه فيقال هذا هو المراد بالاسم الذي استعير له وجعل خليفة لاسمه ونائبًا منابه ومثاله قول لبيد [1] :"

وغداة ريحٍ قد وَزَعَتُ وقرّة ... اذ اصبحت بيدِ الشّمال زمامُها

وذلك انه جعل للشمال يدًا" [2] ولذلك عرف السكاكي الاستعارة المكنية بقوله:"هي أنْ تذكر المشبه وتريد المشبه به دالًا على ذلك بنصب قرينة تنصبها وهي ان تنسب اليه وتضيف شيئًا من لوازم المشبه به المسأوية" [3] . ومن امثلة الاستعارة بالكناية قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} {مريم: من الآية4} ."

فقد شبه الرأس بالنار أو الوقود ثم حذف المشبه به وهو الوقود أو النار وكنى أو رمز الى المشبه به بشيء من لوازمه بلفظ {وَاشْتَعَلَ} على سبيل الاستعارة المكنية.

قال البقاعي في تفسيره الاستعارة القرآنية {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} وهذا من احسن الاستعارات في كلام العرب والاشتعال انتشار شعاع النار، شبه به انتشار الشيب في الرأس. يقول شخت وضعفت، واضاف الاشتعال الى مكان الشعر ومنبته وهو {الرَّأْسُ} [4] .

والبقاعي يقرر في كلامه انّ هذه الاستعارة من أبلغ الاستعارات عند العرب فالعرب عندما يضرمون النار في الخشب ويرون سرعة انتقال وانتشار النار شبهوا الشيب بانتشاره السريع وفشوه باشتعال النيران وانتشارها بسرعة في كل مكان [5] .

ومما يلفت النظر أنَّ البقاعي لم يحدد نوع الاستعارة أو اسمها لكنه اصطلح على استحسانها واستعذابها لنقل المعادل الموضوعي لسرعة الشيب أو لهذه الصورة وهو ما يسمى حسن الاقتران [6] .

(1) شرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري: 315، ودلائل الاعجاز: 334، ونظرة الاغريض: 350.

(2) اسرار البلاغة: 42. وينظر: معجم المصطلحات البلاغية: 1/ 145.

(3) مفتاح العلوم: 179.

(4) نظم الدرر: 13/ 168، ومصاعد النظر: 3/ 221 - 222، والكشاف: 2/ 502، والبحر المحيط: 6/ 173.

(5) ينظر: مصاعد النظر: 3/ 221 - 222.

(6) حسن الاقتران: هو ان يقرن الشيء الحقيقي في الكلام ما يجعل مثالا له مما هو شبيه على جهة من المجاز تمثيلية أو استعارية. مصطلحات نقدية: 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت