وعرفها السيوطي فقال:"ألاّ تقرن بواحد منهما" [1] . وقصد بذلك ألاّ يذكر فيها ما يلائم المستعار له أو المستعار منه، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} {الحاقة: 11} .
استعير اللفظ {طَغَا} من الانسان وترك شيء من لوازمه وهو (الطغيان) على سبيل المكنية ثم لم يقرن الاستعارة بما يلائم المشبه أو المشبه به فقال {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} والجارية هي السفينة، فالمستعار منه هو الانسان والمستعار له الماء. والحديث عن الجارية لا يلائم الماء أو الانسان لأنَّ الحمل كان على السفينة فالاستعارة مطلقة، فلا علاقة للماء أو الطغيان بالجارية.
فسر البقاعي الآية فقال: {إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ} أي زاد عن الحد حتى علا على اعلى جبل في الارض ... فكان خروجه عن العادة رادًا على أهل الطبائع ... حملناكم في الجارية أي السفينة التي جعلناها بحكمتنا عريقة في الجريان حتى كأنه لا جارية غيرها على وجه الماء الذي جعلنا من شأنه الاغراق، وهو تعبير بالصفة عن الموصوف ..." [2] ."
إنّ البقاعي في تفسيره السابق للآية ذكر المعنى الدلالي للفعل {طَغَا} وهو العلو والارتفاع. لكنه لم يتحدث عن المجاز في الآية ثم تابع حديثه عن الجارية، ففسر معناها لكنه ذكر الغرض البلاغي من الآية في سياق كلامه، فنص على غرض التخويف بقوله:"ولما بدأ - سبحانه وتعالى - بثمود الذين هم اقرب المهلكين إلى مكة المشرفة لأنّ التخويف بالاقرب اقعد ..." [3] .
والبقاعي لم يذكر المعنى المجازي في الفعل {طَغَا} الذي حمل معنى الاستعارة المكنية المطلقة ولكن دل عليه سياق النص الذي فسره.
ومن الناحية اللغوية الدلالية نجد أنَّ الفعل طغى دلّ على شيء معنوي، فالطغيان أمر معنوي في النفس لكنه استعمل في الاشياء المادية ليدل على الماء الثائر الغامر لكل شيء فالطغيان أمر راسخ في النفس ومعروف لذلك استعير للمادي المحسوس وهو الماء على الرغم من أنّ الاصل تشبيه المحسوس بالمحسوس لكننا اذا تأملنا الآية عرفنا أنّ
(1) الاتقان: 2/ 784.
(2) نظم الدرر: 20/ 350.
(3) المصدر نفسه: 20/ 350. وينظر: الجامع لاحكام القرآن: 18/ 243، والتسهيل: 4/ 142.