الصفحة 154 من 302

والحقيقة أنّ هذا النوع من المجاز تستعمل فيه المفردات استعمالها الأساسي وفي موضوعها الأصلي ويكون عن طريق الإسناد.

وإذا ما رصدنا القدماء في استعمالاتهم لهذا المجاز نجد انّهم لم يذكروا اسم هذا وإنّما أشاروا الى معناه فسيبويه أورد قول الخنساء المتضمن المجاز العقلي:

ترعى إذا نسيت حتى إذا أدّركت ... فإنما هي إقبال وادبار

وكقولهم:"نهارك صائم"و"ليلك قائم" [1] . فسيبويه يحمل هذا الكلام على السعة والحذف.

وإذا ما عدنا الى الأمثلة السابقة وجدنا أنّ النهار اسند اليه الصيام مجازا على الرغم من أنَّ الصيام يجب أن يسند الى الكاف أي الصائم أو الإنسان، وكذلك ليلك قائم فالقيام للإنسان وليس لليل.

وقد سمى ابن فارس (ت 395هـ) هذا النوع من المجاز"اضافة الفعل الى ما ليس بفاعل في الحقيقة" [2] .

وفي اشعار العرب ورد هذا النوع من البلاغة في قول جرير: [3] .

لَقد لمُتِنا يا أمّ غيلانَ في السرى ... ونمتِ وما ليل المطيَّ بنائمِ

فجرير ليس بنائم وهو المعنى الحقيقي اما المجازي فهو عدم نوم الليل وغرض جرير المبالغة في قلقه وعشقه لام غيلان حتى جعل الليل لا يرى النوم، والليل كل، وجرير جزء، فجعل الفعل يعم وينتشر الكل ليعبر عن هذا الجزء.

وكان عبد القاهر الجرجاني قد تفرد بفصل هذا المجاز وتسميته باسم المجاز العقلي، أو المجاز الحكمي، أو المجاز في الاثبات، أو الاسناد المجازي، إذ أورد أمثلة على ذلك وناقشها، وبين فيها مواضع المجاز [4] .

واطلق السكاكي على هذا النوع المجاز العقلي، وكذلك فعل القزويني والتفتازاني [5] .

وأورد عبد القاهر الجرجاني أمثلة على المجاز العقلي منها: نهارك صائم وليلك قائم ونام ليلي وتجلى همي، وقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} {البقرة: من الآية16} وقد ذكرناها في ثنايا البحث.

وقول الفرزدق: [6]

سقاها خَروق في المسامعِ لم تكن ... عِلاطًا ولا مخبوطةً في الملاغمِ [7]

قال عبد القاهر في تفسير الأمثلة السابقة:"أنت ترى مجازا في هذا كله، ولكن لا في ذوات الكلم وانفس الألفاظ ولكن في أحكام أجريت عليها. أفلا ترى انك لم تتجوز في قولك: (نهارك صائم) و (ليلك قائم) في نفس (صائم) و (قائم) ، ولكن في ان أجريتهما خبرين على النهار والليل، وكذلك ليس المجاز في الاية (ربحت) ولكن في إسنادها الى التجارة. وهكذا الحكم في (سقاها خروق) ."

ليس التجوز في (سقاها) ولكن في أن أسندها الى الخروق. أفلا ترى أنّك لا ترى شيئا منها الا وقد اريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته فلم يرد بـ (صائم) غير الصوم ولا بـ (قائم) غير القيام ولا ربحت غير الربح ولا بـ (سقت) غير السقي كما اريد في قوله: (وسالت باعناق المطي الاباطح) غيرالسيل" [8] ."

إنّ هذا التحليل للمجاز العقلي تمثّله الزمخشري صاحب الكشاف، وسار عليه في تفسيره، وبين أنّ للفعل ملابسات مختلفة بل أنّه عدد أنواع المجاز وأعطى أمثلة موضحة لكل نوع من أنواع المجاز العقلي في سبيل إيضاح منهجه المتبع فقال:"ان للفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والمسبب له فإسناده الى الفاعل حقيقة، وقد يسند الى هذه الأشياء على طريق المجاز المسمى استعارة، وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل، كما يضاهي الرجل الأسد في جرأته، فيستعار له اسمه، فيقال في المفعول به: عيشة راضية، وماء دافق، وفي عكسه: سيل مفعم [9] . وفي المصدر: شعر شاعر، وذيل ذائل [10] . وفي الزمان: نهاره صائم وليله قائم وفي المكان طريق سائر،"

(1) الكتاب: 1/ 169. وينظر: 80، 89، 108، 110.

(2) الصاحبي في فقه اللغة: 210.

(3) ديوان جرير: 2/ 993.

(4) ينظر: دلائل الاعجاز: 227، واسرار البلاغة: 316 - 317.

(5) ينظر: مفتاح العلوم: 185، والايضاح: 1/ 97، وتهذيب السعد: 1/ 95.

(6) دلائل الاعجاز: 227، والبيت ليس في الديوان.

(7) علاط الناقة: وسمها بالعلاط وهي صفحة العنق أو حبل في عنق البعير: اللسان: مادة (علط) .

(8) دلائل الاعجاز: 227 - 228.

(9) مفعم: ملئ اللسان.

(10) الهوان والذل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت