الصفحة 161 من 302

ثم يتابع تحليله للمجاز العقلي ويضرب مثلًا على ذلك آيات قرآنية، فيقول:"فلما أجرى الله سبحانه العادة وانفذ القضية أن تورق الأشجار، وتظهر الأنوار، وتلبس الأرض ثوب شبابها في زمان الربيع، صار يتوهم في ظاهر الأمر ومجرى العادة كأن لوجود هذه الأشياء حاجة الى الربيع، فاسند الفعل إليه على هذا التأويل والتنزيل. وهذا الضرب من المجاز كثير في القران فمنه قوله تعالى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذنِ رَبِّهَا} {ابراهيم: من الآية25} ... اثبت الفعل في جميع ذلك لما لا يثبت له فعل إذا رجعنا الى المعقول على معنى السبب وإلا فمعلوم ان النخلة ليست تحدث الأكل ..." [1] .

والجدير بالذكر أنّ هذه العلاقات المجازية في الاية السابقة التي ذكرها الجرجاني وحلل فيها المجاز ذكرها البقاعي في تفسيره، وان لم يكن قد حللها بهذا التحليل الدقيق الواضح وقسم من المواضع تجاوزها [2] .

ومن أمثلة المجاز العقلي، وعلاقته السببية التي ذكرها البقاعي في تفسيره، قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} {لأنفال: من الآية2} .

قال البقاعي: {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} أي بإيمانهم بها وبما حصل لهم من نور القلب وطمأنينة يقين بسببها فانها هي الدالة على الله" [3] ."

ومنه ايضا قوله تعالى: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} {ابراهيم: من الآية36} إذ قال البقاعي:"إسناد مجازي علاقته السببية ..." [4] وهذا ما تفرد به البقاعي إذا ذكر المجاز وذكر علاقته وهذا ما لا نجده عند الزمخشري حين فسر الاية بقوله:"وانما جعلن مظلات لان الناس ظلوا بسببهن" [5] .

ومنه قوله تعالى: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} آل عمران: من الآية148).

(1) اسرار البلاغة: 335.

(2) ينظر: نظم الدرر: 1/ 356، 22/ 204 - 205.

(3) المصدر نفسه: 8/ 220.

(4) المصدر نفسه: 10/ 425.

(5) الكشاف: 2/ 379 ينظر انوار التنزيل: 1/ 520 والتسهيل: 2/ 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت