الصفحة 163 من 302

وخلاصة القول: أن البقاعي تناول علاقات المجاز العقلي وسماه باسمه، ونجده يستعمل الإسناد: ويبدوا انه انطلق مما قاله الزمخشري عند قوله:"ويجوز ان يستعار الإسناد الى نفسه من غير الله لله، فيكون الختم مسندا الى اسم الله على سبيل المجاز. هو لغيره حقيقة ..." [1] .

فهذه العلاقات هي اشهر علاقات المجاز العقلي. اما المجاز اللغوي فمنه الاستعارة ومنه المجاز المرسل.

ب. المجاز اللغوي:

مجاز الاستعارة:

وقف البقاعي أمام نماذج كثيرة من النصوص القرآنية مستشهدا بها ليحللها تحليلا دلاليا، كاشفا عن إحساسه وذوقه بأثر التعبير الاستعاري الذي احتوته هذه الايات البينات. فكان من لطائف تلكم الصور الاستعارية التي اشار إليها ما في تفسيره لقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} {القلم: 42} . فسرها مبينًا دلالة هذه الآية يريد وقوع تفاقم الامور وخروجها عن حد الطوق، مع ان من المعلوم انه لا فاعل هناك غيره - سبحانه وتعالى - وقيل: هو كناية عن تفاقم الامور {عَنْ سَاقٍ} أي يشتد فيه الأمر غاية الاشتداد [2] .

فالبقاعي لم يحمل اللفظ على حقيقته، بل تجاوز به ساحته اللغوية [3] الى البعد الإستعاري فعد الكشف عن الساق شدة يوم القيامة وقيام الساعة، وهذا ما هو جار على قواعد العرب وأساليبها في التعبير عن شدة الأمر وعظم القضية، فيقولون شمر عن ساعديه، وكشف عن ساقيه، يريدون بذلك التأهب للحدث الذي نزل بالإنسان، فللإعارة أهمية قصوى، وهذه الإعارة هي الاستعارة. ويؤكد البقاعي هذا المعنى ويرجع الى استعمالات العرب في كلاهما وذلك وارد، فالشاعر الجاهلي يقول:

كشف لهم عن ساقها ... وبدا من الشَّر الصراخ [4]

فالبقاعي اعتمد قول أبي عبيدة (ت210 هـ) في دلالة هذه الآية الشريفة [5]

وابن قتيبة يصرح بلفظ الاستعارة في تأويله للآية بقوله"... فمن الاستعارة في كتاب الله - عز وجل -، {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} أي عن شدة الأمر ... فاستعيرت الساق في موضوع الشدة" [6] .

وهناك روايات متعددة في تفسيرها [7] . وفي دلالة قوله تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} {الحجر: 79} . يلمح البقاعي الاستعارة ويشير إليها بقوله:"أي طريق يؤم ويتبع ويهتدى به" [8] . فالآية من الاستعارة والاحتباك [9] . وهنا يدرك البقاعي أنّ التعبير عن الطريق بالإمام ممكن ومستساغ وذلك لعلاقة المشابهة بينهما، لانّ كلًا منهما يؤم ويتبع. ومن أمثلته الأخرى في تفسيره لقوله تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ} {لأعراف: من الآية154} . وضح البقاعي دلالة مجاز الاستعارة بقوله: {وَلَمَّا سَكَتَ} أي كف، شبه الغضب بمتكلم كان يحث موسى - عليه السلام - ويغريه 00 والغضب لا يسكت إنما يسكت صاحبه وإنما معناه: سكن" [10] ومثله {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ... } {الكهف: من الآية77} . قال البقاعي:" {فَوَجَدَا فِيهَا} أي القرية، ولم يقل فيهم إيذانا بان المراد وصف القرية بسوء الطبع قال مستعيرا لما يعقل صفة ما يعقل. يقال وكيف يريد الجدار ان ينقضَّ؟ وذلك من كلام العرب أن يقولوا إن الجدار يريد أن يسقط [11] . وأمثلته كثيرة في تفسيره [12] . فهذا البعد في

(1) الكشاف: 1/ 51.

(2) ينظر: نظم الدرر: 20/ 323 - 324، والكشاف: 4/ 147.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 20/ 324.

(4) ينظر: ديوان الحماسة: 1/ 198 والبيت المنسوب الى سعد بن مالك بن قيس بن ثعلبة وهو جد طرفة بن العبد وينظر: جامع البيان: 29/ 24، وتفسير القران العظيم: 4/ 407.

(5) ينظر: مجاز القران: 2/ 266.

(6) تأويل مشكل القران: 307.

(7) ينظر: تفسير ابن عباس: 198، والتفسير الكبير: 30/ 94، وروح المعاني: 29/ 35، وتفسير آيات الصفات: 105 - 108.

(8) نظم الدرر: 11/ 79، وينظر الكشاف: 2/ 396.

(9) المصدر نفسه: 11/ 80.

(10) المصدر نفسه: 8/ 92، وينظر: مقاصد النظر للاشراف على مقاصد السور: 2/ 101، والكشاف: 2/ 120.

(11) المصدر نفسه: 12/ 116، ومعاني القران: 2/ 156، والكشاف: 2/ 494.

(12) ينظر: على سبيل التمثيل: 1/ 44، و7/ 253، و8/ 270، و10/ 31، و15/ 511، و20/ 323 ... .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت