8.إطلاق المحل على اسم الحال:
ويقصد البلاغيون النسبة الى المحل، أي المكان. والمجاز في هذه العلاقة انّهم يستعملون أللفظ الدال على المكان، وهم يريدون غير المكان، فتتجاوز إرادتهم المكان إلى من فيه أو ما فيه [1] .
ومن الآيات القرآنية التي تضمّنت هذه العلاقة قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ... {يوسف: من الآية82} أي اسأل أهلها أو ساكنيها [2] ، وتأتي ايضًا في مجاز الحذف أي اسأل أهل القرية ومن بلاغة هذه الآية أن المكان والمكين سيشهدان على إخوة يوسف مبالغة وتوكيدًا منهم على انّهم صادقين حتى طلبوا سؤال المكان لإخراج ما في أنفسهم من صدق فجعلوا المكان وأهله شاهدين.
قال البقاعي:" {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} ... أي أهلها وجدرانها ان كانت تنطق ... وأراد بالقرية مصر ... (و) اسأل {الْعِيرُ} أي أصحابها وهم قوم من كنعان ..." [3] .
ونلاحظ انّ البقاعي أورد معنى المجاز وهو المكانية فذكر المحل {الْقَرْيَةَ} واراد الحال (ساكنيها) وهو قول الجمهور، وأرى انّه لا مجاز فيه. وتقديره:"وسأل أهل القرية"وكذلك أهل العِير: يعنون الرفقة، وأورد البقاعي رأيًا آخر وهو سؤال القرية بنفسها والعير بنفسها ولا يبعد أن تخبره الجمادات لأنه نبي بقوله:"وجدرانها ان كانت تنطق التي كنا فيها وهي مصر، عما أخبرناك به ليخبروك بصدقنا" [4] .
إذ تبرز شخصية البقاعي في مناقشته المتعمقة في وجوب التأويل، والأول: وهو رأي الجمهور أرجح، وهو على تقدير محذوف وقد رجحه البقاعي بقوله: (هذا الأصل) [5] . وقد خالف فيها أبا حيان عندما فسر الآية على الإضمار فقال:"والظاهر انّ"
(1) ينظر: صناعة الكتاب: 334.
(2) ينظر البرهان: 2/ 281.
(3) نظم الدرر: 10/ 194.
(4) نظم الدرر: 10/ 194. ينظر: الكشاف: 2/ 337، والتسلسل: 2/ 126.
(5) ينظر: المصدر نفسه: 10/ 194.