الصفحة 177 من 302

المبحث الرابع

الكناية

الكناية صورة تعتمد معنيين مستنبطين من النص نفسه، فالجملة التي تحمل في ألفاظها خلفيه معنوية أخرى تتضمن معنى الكناية، أو لنقل هي علاقة بين الدال والمدلول، فالنص هو الدال والمعنى الدلالي هو مدلول النص المعنوي، وهذا لا يعني انّ الدال يختلف عن المدلول في الكناية.

والدال أو النص يحمل معنيين احداهما قريب والآخر بعيد، والمعنى البعيد هو المقصود في نفس المتكلم، وعلينا أن نفهم انّنا لا نلغي المعنى المباشر للنص لانّ هذا المعنى هو الذي يسير بنا الى المعنى الكنائي، ولهذا لم يعد بعض البلاغيين الكناية من باب المجاز لانّ المجاز يحمل قرينه مانعة من إيراد المعنى الحقيقي بينها في حين انّ الكناية تحمل المعنى الحقيقي أو المباشر والمعنى غير المباشر.

وجاء في اللسان: الكناية:"ان تتكلم بشئ وتريد غيره، وكنّى عن الامر بغيره يكنّى كناية، وتكنّى: تستر من كنى عنه اذا ورى، أو من الكنية" [1] .

ومن اسبق الذي تكلموا عن الكناية في القرآن الكريم أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 210هـ) عند تفسير قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} {البقرة: من الآية223} . فقال: هي كناية وتشبيبه عن الغشيان وفهم الكناية على اساس ما فهم من الكلام من غير تصريح [2] .

وتحدث عن قوله تعالى: {أو لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} {النساء: من الآية43} . فقال: كناية عن الغشيان [3] .

ونلاحظ كيف خلط أبو عبيدة بين التشبيه والكناية لانّ القواعد البلاغية آنذاك لم تستقر بعد. فالآية تضمّنت تشبيهًا بليغًا لانّ النساء كالحرث في العطاء.

وذكر ابن رشيق القيرواني (ت 456هـ) الكناية وصنفها في باب الاشارة، فالكناية عنده من ملح الشعر تدل على بعد المرمى وفرط مقدرة الشاعر على الصياغة اللغوية،

(1) اللسان مادة (كني) .

(2) ينظر: مجاز القرآن: 2/ 73.

(3) المصدر نفسه: 1/ 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت