يتناول هذا المصطلح ويبرز لطائف البلاغة فيه، وذلك في اغلب البحوث التي تطرقت الى بيان القرآن الكريم [1] .
والمتأمل في كتاب الله تعالى يلحظ اطَّراد الفاصلة فيه، حتى أصبحت جزءًا من اطراد النظام في القرآن كله. فغدت من مظاهر الأحكام في القرآن وهي ركن وطيد من أركان الآية لفظًا ومعنىً، بقدر ما هي ركن في المقطع والسورة ومجموع القرآن، وهي من امارات تيسير الله تعالى كتابه للذكر والحفظ والدرس [2] .
وفواصل الآي الكريم تتعلق بمضمون الآية وتتناسب مع سياق نضمها، وهذا من إعجاز الذكر الحكيم؛ يقول الزركشي:"إعلم أنّ من المواضع التي يتأكد فيها إيقاع المناسبة مقاطع الكلام وأواخره، وإيقاع الشيء فيها بما يشاكله ... وفواصل القرآن العظيم لا تخرج عن ذلك؛ ولكن منه ما يظهر، ومنه ما يستخرج بالتأمل للّبيبِ" [3] .
وللفاصلة قيمة في تمكين معنى الآية، مستقرة في قرارها ومطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة ومتعلقًا معناها بالكلام كله تعلقًا تامًا؛ إذ لو طرحت اختل المعنى واضطرب الفهم وهذا فيه سر عظيم [4] . ويشهد لذلك ما حكي عن الاصمعي أنه قال:"كنت اقرأ {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} قرأتُ: والله غفور رحيم {المائدة: 38} وبجنبي أعرأبي؛ فقال: كلام من هذا؟ فقلت كلام الله. قال: أعد؛ فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله؛ فانتبهت، فقرأت: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فقال: أصبت، هذا كلام الله؛ فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. فقلت: من أين علمت؟ فقال: يا هذا؛ عَزَّ؛ فحكم، فقطع؛ ولو غفر فرحم لما قطع [5] ."
(1) ينظر: على سبيل التمثيل: الاتقان، إعجاز القرآن للرافعي، والتصوير الفني، ومشاهد القيامة والاعجاز البياني ... .
(2) ينظر: الفاصلة في القرآن: 192 - 193.
(3) البرهان: 1/ 169 - 170.
(4) ينظر: المصدر نفسه: 1/ 169 - 170.
(5) ينظر: الكشكول: 2/ 142.