الصفحة 197 من 302

من هذا يتبين في شأن الإعجاز البلاغي أنه ما من فاصلة قرآنية إلا وسياق الآية يقتضي لفظها ومعناها، إذ لا يسهل في النظم الكريم أن يقع في مكانها سواها، ليس عدم اهتدائنا الى سرَّها البياني قدحًا في موقعها وانّما قصور الإدراك فينا [1] .

اما مفسرنا البقاعي فله رأي خاص به في الفاصلة، إذ يقول أن ترتيب القرآن لأجل الفواصل هذا لا يليق بكلام الله تعالى؛ إذ نجده يعلل سبب رفضه للسجع والقائلين فيه وللفاصلة والقائلين فيها ومذهبه في الفاصلة بناهُ على أن السجع مذموم وقد نهى عنه النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا يقال إن في القرآن سجعًا لأنهُ يأتي تكلفًا، واللفظ فيه أصلٌ والمعنى تابع له، بل قد يكون مستهجنًا. والقرآن بلغ أعلى درجة في الفصاحة والبلاغة، يعرف ذلك ذوو الذوق العربي السليم.

يقول في قوله تعالى: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} {التوبة: 128} ."ولا يظن أنه رتب شيئًا من هذا الكتاب العزيز لأجل الفواصل، فذلك امرٌ لا يليق بكلام الله تعالى" [2] . وقد عاب النبي - صلى الله عليه وسلم - السجع، لأنَّ الساجع يكون محط نظره الالفاظ، فيدير المعاني عليها وتبعها إياها فربما عجز اللفظ عن توفية المعنى [3] .

وأخذ يستطرد في ذم السجع ونهي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وينفي السجع عن القرآن كما نفى عنهُ الشعر {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} {الحاقة: 41} . واما ما وقع فيه مما لا يظن انه سجع فليس بمقصود، ويقول:"وإذا تأملت الفواصل في الإتيان بها تارة بكثرة وتارة بقلة وتارة تترك بالكلية ويؤتى في كل آية بفاصلة لا توافق الأخرى علمت أنّ هذا المذهب هو الصواب ولا سيما آخر سورة اقرأ ... فإياك أن تجنح لهذا القول فتكون قد وقعت في أمر عظيم وأنت لا تشعر" [4] .

(1) ينظر: الاعجاز البياني: 235 - 258.

(2) نظم الدرر: 9/ 57.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 9/ 57.

(4) المصدر نفسه: 22/ 171 - 173. وينظر: 9/ 60 ومصاعد النظر: 2/ 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت