وفي سورة طه عند قوله تعالى: {قَالُوا امنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} {طه: 70} . قال:"وهذه الآية وأمثالها من آي هذه السورة وغيرها مما قُدم فيه ما يتبادر أن صفته التأخير وبالعكس لإيحاء من المعاني دقيقة، هي التي حملت بعض من لم يرسخ، إلى أن يقول أن القرآن يراعي الفواصل كما يتكلف بلغاء العرب السجع وتبعه جمع المتأخرين تقليدًا، وقد عابه النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: [أسجعًا كسجع الجاهلية أو قال الكهان ... ] [1] ."
والبقاعي يذهب في تفسيره لسورة طه معللًا سبب تقديم هارون على موسى للمعنى الذي بنيت عليه السورة وهو كمال الانتظام ولا يكون إلا بتقديم هارون ويؤيد ذلك أنه قال هنا {إِنَّا رَسُولا} وفي الشعراء {رَسُولُ} [2] .
وقد قال الامام الرازي كما حكاهُ أبو حيان في سورة فاطر: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} {فاطر: 19} . قال:"فالشاعر يقدم ويؤخر للسجع، فيكون اللفظ حاملًا له على تغيير المعنى. واما القرآن فحكمة بالغة والمعنى فيه صحيح واللفظ فصيح، فلا يقدم ولا يؤخر اللفظ بلا معنى" [3] .
وفي القرن الرابع الهجري، بعد استقرار المصطلحات، وتطور علم الكلام ناقش العلماء قضية السجع في القرآن الكريم، وقد انقسموا على قسمين، قسم ينفي بشدة وجود السجع في القرآن، يمثل هذا الفريق أبو الحسن الاشعري (ت 324هـ) وعلي بن عيسى الرماني (ت 384هـ) وأبو بكر الباقلاني (ت 403هـ) .
(1) نظم الدرر: 12/ 310 والحديث في صحيح مسلم كتاب القسامة باب دية الجنين: 4/ 254 بلفظ (انما هذا من اخوان الكهان من اجل سجعه الذي سجع) . وينظر: نيل الأوطار: 7/ 73 رجاله ثقات.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 12/ 310، ومصاعد النظر: 2/ 402.
(3) البحر المحيط: 7/ 39. وينظر: النهر الماد: 2/ 771، ونظم الدرر: 12/ 310.