فكما ان الشاعر يأتي بالكلام موزونًا، فكذلك قول الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعًا والقرآن الكريم ليس من هذا ولا ذاك، فأن وقع فيه كل من الامرين فغير مقصود ولا معول عليه [1] .
إذ يعلل سبب ذلك كله الى كون المعنى انتظم به على أتم الوجوه فيؤتي به لذلك، ثم تبين أنّه غير مقصود بالانفكاك عنه في كثير من الأماكن بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ لتمام المعاني المرادة عندها فيعلم قطعًا انّ ذلك غير مقصود [2] .
ثم يدلل على هذا الأمر في تفسيره لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} {الحديد: 27} . إذ قال:"ورحمة أي ورقة وعطفًا على من لم يكن لهُ سبب في الصلة بهم كما كان الصحابة - رضي الله عنهم - رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع انّ قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين، وترتيب الوصفين هكذا أدلُّ دليلٍ على أنهما لم يقصد بهما مراعاة الفاصلة في {رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} كما قاله بعض المفسرين" [3] .
ولا يعترض على البقاعي استعماله للسجع في تفسيره كثيرًا، فإن حكمه ينساق على القرآن الكريم، على أن السجع في كلامه لم يكن متكلفًا حتى يدخل تحت دائرة الذم، بل ينساب فيه انسيابا.
ثم نجده في قوله تعالى: {وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} {الحاقة: 42} . يبين نفيه السجع عن القرآن الكريم لانّ من يعرف الشعر يعرف النثر فهو أعلى فقدمّه، أي اتبعه النثر {وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ} وهو المُنجَّم الذي يخبر عن أشياء لا صحة لها وعبارته عن ذلك بالسجع المتكلف المقصود كونه سجعًا الذي يكون المعنى فيه تابعًا للفظ للتحلية. ثم انّ مباينة القرآن للسجع خفية جدًا لما فيه من الفواصل في الأغلب، وتركها في
(1) ينظر: نظم الدرر: 9/ 59.
(2) نظم الدرر: 9/ 59.
(3) المصدر نفسه: 19/ 306 والتفسير الكبير 18/ 293.